الدمار انتهى والحرب توقفت والجوع ما يزال ينهش أجساد الغزيين

admin3 ديسمبر 2025آخر تحديث :
الدمار انتهى والحرب توقفت والجوع ما يزال ينهش أجساد الغزيين


في غشت هذا العام، عندما أعلنت الأمم المتحدة رسمياً المجاعة في غزة، كانت عظام محمد وعدي مهرة البارزة شاهداً على أثر الجوع في سكان القطاع.

وصل الطفلان، البالغان من العمر ثلاثة وأربعة أعوام، حالةً شديدةً من سوء التغذية، وهما اللذان يعانيان في الأساس مرضاً جينياً وتأخراً في النمو.

قبل شهرين من نهاية الحرب، التقت “بي بي سي” عائلة مهرة في موضع نزوحهم من جباليا شمال القطاع إلى مدينة غزة.

وكانت الأم آمنة تحمل بين ذراعيها مولوداً جديداً، عمره أيام فقط، لا تجد في صدرها ما ترضعه إياه ولا في البيت ما تأكله.

حدثنا الوالد بلال، الذي بترت ساقه في انفجار صاروخ أثناء الحرب، عن عجزه وقهره وهو لا يقدر على سد جوع أطفاله.

“قد أفقد أياً من أطفالي في أي حين بسبب الجوع”، هذا أكثر ما يقلق بلال.

وفي 22 غشت 2025، أعلن “التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي -IPC” المدعوم من الأمم المتحدة، أن نصف مليون شخص في غزة يعانون المجاعة، وهي المرحلة الكارثية الأشد في التصنيف.

وتوقع التقرير حينها انتشار المجاعة في معظم أنحاء غزة في شتنبر.

ودخل اتفاق وقف إطلاق نار هش في غزة حيّز التنفيذ في العاشر من أكتوبر 2025، وبدأت المساعدات تصل بيوت كثيرين في غزة، وعادت رائحة الخبز تنتشر في بعض أرجاء القطاع بعودة مخابز للعمل.

لكن معاناة عائلة مهرة التي نزحت مجدداً إلى خان يونس جنوب غزة مستمرة والجوع مازال ينخر أجساد أطفالها.

شهد وضع الطفلين تحسناً طفيفاً بعد أن وصلت العائلة بعض المساعدات. لكن بلال وآمنة يقولان إن حالة سوء التغذية التي وصلها الطفلان في الأشهر الماضية أثرت على تقبل جسميهما للأكل.

باتا يعانيان من إمساك متواصل وانتفاخ غير طبيعي في البطن يحرمهم النوم ليلاً ويحتاج علاجاً يومياً.

ويقول الوالدان إن الطفلين يجدان صعوبة في الهضم والتبرز، وتتساقط أسنانهم دون أن تنبت أسنان جديدة.

“يعيش أولادي الآن برغم سنهم هذا على حليب الرضع، حتى عندما يتوفر الأكل، نحاول إطعامهما لكن لا تتقبل أجسادهما غير البطاطا والكوسا المسلوقة”، يقول بلال الذي بات حلمه الآن أن يرى طفليه محمد وعدي “يأكلان ويلعبان كأطفال طبيعيين في سنهم”.

تقسط الأم آمنة استخدام حليب الأطفال الذي وصلهما منه علبتان الشهر الماضي، تضيف إليه كميات أكبر من الماء وتقسمه بين أطفالها الثلاثة. ولا يحصل الطفلان، بحسب والديهما، على أي مكملات غذائية تعوض ما ينقص جسميهما.

يحتاج أطفال بلال إلى علبة حليب يومياً سعرها 30 شيكل (9.15 دولار) بالإضافة إلى الحفاضات.

ستحصل عائلة مهرة على نصيب من المساعدات كل شهر، حسب دورة توزيع المساعدات التي يهدف برنامج الغذاء العالمي إلى الالتزام بها.

ووصلت المساعدات إلى مليون شخص فقط في الشهر الأول بعد وقف إطلاق النار، بينما كان البرنامج يهدف إلى مساعدة 1.6 مليون شخص شهرياً.

وقال مارتن بينر، من برنامج الغذاء العالمي لـ”بي بي سي” إن البرنامج يركز الآن على إيصال مساعدات شهرية إلى النساء الحوامل والمرضعات والأطفال دون سن الخامسة.

ووزعت المساعدات بمعدل طرد غذائي واحد لكل عائلة في الشهر الأول.

“حصلنا على نصيب (كابونة) من المساعدات مرة واحدة منذ توقفت الحرب، ولم يكن ذلك كافياً”، يقول بلال، “وأنا لم أعد أستطيع العمل بسبب بتر ساقي ولا أملك مالاً أشتري به لعائلتي طعاماً من المتاجر، ثمن كيس الطحين 80 شيكل (24.4 دولار)، لا أقدر على توفيرها”.

وتُشير المنظمة الأممية إلى أنه منذ 16 نونبر ارتفع حجم المساعدات، لتحصل كلّ عائلة على طردين غذائيين إضافة إلى كيس طحين يزن 25 كيلوغراماً.

وبحسب تقدير بينر تغطي المساعدات التي تصل العائلات الآن 75 في المئة من حاجتهم الغذائية اليومية على أقصى تقدير وتكفي نحو ثلاثة أسابيع، لكن حسب حجم العائلات وحاجاتها قد لا يكفي طرد المساعدات إلا لأيام معدودة.

أم حامد الندر نازحة من جباليا إلى غرب مدينة غزة مع سبعة أطفال بالإضافة إلى زوجها العاطل عن العمل، وهي حامل تحتاج إلى تغذية خاصة. قالت لـ”بي بي سي” إن طرد المساعدات الذي تلقوه من برنامج الغذاء العالمي، وقد اقتصدت في استهلاكه، لم يدم أكثر من خمسة أيام.

بالإضافة إلى المساعدات الغذائية المباشرة بين الطرود الغذائية والمخابز التي أعادت الأمم المتحدة تشغيلها والمطابخ الخيرية، تقدم المنظمات الإنسانية مساعدات مالية طارئة لبعض العائلات حتى يتمكنوا من شراء بعض ما يحتاجون.

ومع دخول المواد التجارية بدأت رفوف المحلات في الامتلاء بسلع محدودة لكن كثيرين في القطاع لا يستطيعون توفير مال لشرائها. إذ أظهر إحصاء لبرنامج الغذاء العالمي أن ثلثي العائلات المشاركة لا تستطيع الشراء إما لشح النقد في القطاع أو لعدم امتلاك الأشخاص ما يكفي من المال في أي شكل لشراء أساسيات الحياة.

وحسب تقرير البرنامج لمراقبة الأسواق في غزة، فإن أسعار المواد الأساسية تراجعت قليلاً لكنها تبقى أغلى مما كانت عليه قبل الحرب.

أما مطابخ الطعام الخيرية فتعاني هي أيضاً من محدودية ما يمكن أن توفره وإن تحسن الوضع قليلاً في الأسابيع الماضية.

وقالت مؤسسة المعونة الأمريكية للاجئين في الشرق الأدنى (أنيرا)، التي تدير مطبخاً للطعام وسط غزة وآخر في المواصي جنوب القطاع، إنها توفر الطعام الآن لنحو 20 ألف شخص.

وكشفت أنيرا في تقرير سابق لـ”بي بي سي” إن ما تقدمه “يقتصر في الغالب على طهي ثلاثة أنواع فقط من الوجبات أسبوعياً: الأرز والمعكرونة والعدس”.

وتفتقر بالتالي الوجبات المتوفرة إلى الخضروات الطازجة واللحوم التي تحتاجها أجساد الغزيين المنهكة من الحرب والجوع.

تدخل المساعدات عبر معبري كيسوفيم وكرم أبو سالم بينما ترفض إسرائيل فتح معبر رفح حتى الآن.

وفي منتصف شهر نونبر استجابت إسرائيل لمناشدات أممية بفتح معبر زكيم، المنفذ الرئيسي الذي سهل وصول المساعدات لسكان شمال القطاع.

لكن دخول المساعدات من هذه المعابر يبقى خاضعاً لمراقبة وتنسيق إسرائيلي. وتقول الأمم المتحدة إنه لا يزال مقيداً بشكل كبير.

في تقرير لمجلس الأمن الدولي نهاية نونبر طالب المنسق الأممي للشؤون الإنسانية في الأرض الفلسطينية رامز الأكبروف، إسرائيل بـ”توسيع القدرة الاستيعابية للمعابر وتسريع إجراءات إدخال الإمدادات، بما في ذلك إمدادات الأمم المتحدة”.

تفيد تقارير الأمم المتحدة بأن إسرائيل تعطل بعض العمليات الإنسانية بعد الموافقة عليها، مبررة ذلك بـ”اعتبارات تشغيلية”. وتطالب المنظمات الأممية إسرائيل بفتح المعابر وتخفيف القيود لتسريع الإغاثة.

في مستشفى جمعية أصدقاء المريض الخيرية في مدينة غزة، يتابع الدكتور سعيد صلاح، استشاري طب الأطفال حديثي الولادة ومسؤول قسم التغذية، تحسن الوضع نوعاً ما بعد بدء توفر الغذاء.

وكان المستشفى قد شهد خمس حالات وفاة بسبب سوء التغذية في غضون أسبوعين في شهر يوليوز الماضي حين بلغ الجوع في المدينة أقصى درجاته.

ويقول الدكتور صلاح لـ”بي بي سي” إن تأثر أجسام هؤلاء الأطفال بنقص الغذاء ليس مرتبطاً وقتياً بوجود الأكل أو عدمه. فتأثير عدم التوازن في التغذية وافتقاد بعض أو كل العناصر الغذائية اللازمة من بروتينات ونشويات وكاربوهيدرات وأملاح وغيرها، يخل بوظائف الجسم وقد يؤدي إلى موت هؤلاء الأطفال حتى إن لم يقترن سوء التغذية لديهم بأمراض سابقة، خاصة بالنسبة للأطفال الذين وصل وضعهم إلى ما وصفه بنقطة اللاعودة. حينها حتى توفر الغذاء قد لا يكون كافياً لإنقاذ حياتهم.

بعض الأطفال الذين لم تتقبل أجسامهم الغذاء أو لم تقدر على امتصاصه يحتاجون تغذية طبية عن طربق الوريد (TPN). ويقول الدكتور صلاح إن كل محاولاته الحصول على هذا العلاج فشلت في كل مرة لعدم توفره في كامل القطاع. وقد توجه في مرات كثيرة إلى منظمات أممية لكنه يقول إن العلاج لم يصل حتى الآن لأن دخوله يستوجب تنسيقاً بين المنظمات الأممية المسؤولة والسلطات الإسرائيلية.

بعد شهر ونصف من وقف إطلاق النار، لا يزال قطاع الصحة في غزة في حالة انهيار، بحسب ما تذكر منظمة يونيسيف.

وتقول الأمم المتحدة إن المستشفيات التي لا تزال تعمل، تواجه نقصاً حاداً وتصارع من أجل توفير أساسيات الحق في الصحة لآلاف الأطفال.

في الأثناء لا يزال خطر سوء التغذية الحاد قائماً خاصة بين الأطفال في غزة.

يقول مارتن بينر لـ”بي بي سي” إن برنامج الغذاء العالمي يعمل مع شركائه على رصد حالات يهددها سوء التغذية لمحاولة إمدادها بمواد مغذية خاصة.

وبينما تحاول المنظمات الإنسانية تحدي محدودية مواردها المخصّصة للمساعدات والقيود الإسرائيلية المفروضة على إيصالها، خاصة في ظل هشاشة اتفاق وقف إطلاق النار، بات موسم الأمطار يشكل أزمة جديدة.

تقدر الأمم المتحدة أن أكثر من مليون شخص لا يزالون في مخيمات، يعانون للحصول على المساعدة ويواجهون ظروفاً تزداد صعوبة مع اقتراب فصل الشتاء.

قال مارتن بينر لـ”بي بي سي”، إن الأمطار أدت إلى تلف طرود المساعدات التي قدمت لبعض العائلات في خيامهم التي لا تقي من المطر، بالإضافة إلى تعطيل نقل وتوزيع المساعدات.

وقال بينر إنّه، وفي إطار محاولات مساعدة النازحين على مواجهة هذه الظروف، بدأوا باستخدام أكياس الحبوب الفارغة لصنع حواجز رملية تقي الخيم من السيول.

في خيمتهم في مواصي خان يونس، يحاول بلال وآمنة مهرة إبقاء أطفالهم دافئين بطبقات من الثياب، تنزعها الأم عن عدي ومحمد لترينا أثر الجوع وعظامهم التي مازالت بارزة. الأمل الوحيد لدى العائلة الآن هو مغادرة القطاع حتى لعلاج الطفلين بعد أن عجز القطاع الصحي في غزة عن ذلك.



Source link

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق