محمد الهادي -صحراء ميديا
على وقعِ خطىً ثقيلة فوق سجاد الإليزيه الأحمر، يطوي الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي مسافات “الجفاء” التي باعدت بين نجامينا وباريس لأكثر من عام؛ فبينما غادرت الطائراتُ الفرنسيةُ مدرجاتِ “أجي كوسي” مخلفةً وراءها غبارَ قطيعةٍ عسكرية، يحلُّ ديبي بالعاصمة الفرنسية اليوم ليخطَّ بيده حدوداً لتعاونٍ جديد، في “مواجهةِ ضرورة” بين عاصمةٍ تبحثُ عن موطئ قدمٍ أخير في رمال الساحل، وقائدٍ شابٍ يدرك أنَّ السيادةَ تُنتزعُ حين تتغيرُ موازينُ القوى.
من “القطيعة” إلى “إعادة التوازن”
تأتي زيارة ديبي استجابةً لدعوة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في محاولة لترميم ما أفسدته “رياحُ السيادة” التي هبّت من نجامينا في نوفمبر 2024، حين أعلنت تشاد إنهاء اتفاقية الدفاع التاريخية مع فرنسا. تلك الخطوة التي وصفها وزير الخارجية التشادي بـ “نقطة التحول”، لم تكن مجرد إجراء إداري، بل كانت إعلاناً بنضج الدولة التشادية وخروجها من “الوصاية” الأمنية الفرنسية التي دامت 66 عاماً.
هذا التحول الدراماتيكي، الذي توّج بانسحاب كامل للقوات الفرنسية مطلع عام 2025، جعل من تشاد الدولة الأخيرة في عقد “دول الساحل” التي تُنهي الوجود العسكري الفرنسي الدائم، مقتفية أثر مالي والنيجر وبوركينا فاسو، ولكن بأسلوب حافظ على قنوات الحوار مفتوحة بعيداً عن ضجيج الانقلابات.
شراكة بلا قواعد
التقرير الذي يحمله ديبي إلى الطاولة الفرنسية لا يتضمن عودة الجنود إلى الثكنات، بل يتحدث عن “شراكة متجددة ومتبادلة المنفعة”. تدرك نجامينا أن زمن “القواعد الدائمة” قد ولى، وتطالب اليوم بتعاون يركز على التدريب، والاستخبارات، والتكنولوجيا، بعيداً عن الهيمنة الميدانية.
ويأتي هذا الحراك الدبلوماسي في وقتٍ عززت فيه تشاد خياراتها الاستراتيجية، بفتح أبوابها أمام شركاء جدد مثل روسيا والإمارات وتركيا، وهو ما جعل باريس تستشعر خطر “العزلة التامة” في قلب القارة السمراء، لتبادر بفتح ملفات التعاون الاقتصادي والإنساني كمدخل بديل للوجود العسكري المباشر.
رغم فتور العلاقات الذي غذته تحقيقات قضائية فرنسية حول ممتلكات عائلة ديبي، وتصريحات ماكرون السابقة حول “جحود” الحلفاء، إلا أن الواقعية السياسية تفرض نفسها اليوم. فتشاد، المحاطة ببؤر توتر في السودان وليبيا والنيجر، لا تزال ترى في فرنسا “شريكاً أساسياً” يمتلك خبرة جغرافية واسعة، لكنها تشترط أن تُدار هذه الشراكة من “غرف التنسيق” لا من “أبراج القيادة”.
تمثل زيارة ديبي لباريس “بروفة” أخيرة لاختبار قدرة فرنسا على التأقلم مع “أفريقيا الجديدة”؛ فهي قصة بلدٍ قرر أن يكون “سيد قراره” دون أن يقطع الجسور بالكامل، وقصة قوة عظمى سابقة تحاول أن تفهم أن “الولاء” لم يعد يُشترى بالاتفاقيات القديمة، بل يُبنى على احترام الحدود السيادية التي رسمتها رمال الساحل من جديد.
