تتكرر في السنتين الأخيرتين تيمة نقد مواقع التواصل الاجتماعي وتأثيرها السلبي على الأفراد والمجتمع في عدد من الأعمال السينمائية والتلفزيونية المغربية، إذ أصبحت هذه المنصات، وما تخلفه من هوس بالانتشار و”البوز”، مادة خصبة لكتاب السيناريو والمخرجين، الذين اختاروا النبش في ظاهرة المؤثرين وما يرافقها من تشويه للقيم الاجتماعية والإنسانية، في محاولة لعكس ما يعيشه الواقع المغربي في ظل الحضور الطاغي للعالم الافتراضي.
ورغم أهمية التوجه نحو معالجة تيمة “البوز” وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي في السينما والتلفزيون، إلا أن تكرار الطرح بالمنطق نفسه يثير ملاحظات نقدية حول تشابه المعالجة وضعف التجديد في الزوايا الدرامية، خاصة وأن مجموعة من المخرجين يعتمدون القوالب نفسها في بناء الشخصيات والأحداث، من خلال قصص الشهرة المفاجئة والانحدار نحو الاستغلال أو السقوط الأخلاقي، مما يجعل بعض الأعمال تتشابه في الفكرة والتناول وحتى في النهايات، فتبدو كأنها نسخ مكررة لمعالجة واحدة.
ويأتي ضمن هذه الأعمال الفيلم السينمائي “زازا” الذي يُرتقب أن يصل إلى القاعات خلال هذا الأسبوع، إذ يسلط الضوء على ظاهرة الشهرة المفاجئة في زمن المنصات الرقمية وما تخلفه من اضطرابات نفسية واجتماعية، وذلك في قالب يجمع بين الكوميديا والنقد اللاذع للواقع.
وفي الفيلم، يجسد البطل “زاز” شخصية رجل بسيط من حي شعبي، تنقلب حياته رأسا على عقب بعد انتشار مقطع فيديو له على نطاق واسع، ليصبح بين ليلة وضحاها نجما افتراضيا وسلعة تسويقية، يحاول الحفاظ على توازنه وسط أزمة عائلية، وإعلانات تجارية، ومجد مؤقت في عالم يزداد اضطرابا يسعى فيه الجميع لانتزاع نصيبه من الشهرة.
“روتيني” و”الربحة”.. الكوميديا تكشف الوجه المظلم للشهرة
ولم يكن فيلم “زاز” العمل الوحيد الذي تناول موضوع “الانتشار السريع” و”البوز” دون مضمون، إذ سبقته عدة أعمال سينمائية حاولت مقاربة التأثيرات السلبية للشهرة الرقمية، من بينها فيلم “روتيني” الذي عُرض قبل أشهر في القاعات السينمائية، وقدم رؤية ساخرة عن تفاهة بعض محتويات التواصل الاجتماعي وما تخلفه من صور مضللة عن النجاح.
أما فيلم “الربحة”، اختار صناعه الغوص في الجانب الخفي من عالم الإنترنت، مسلطا الضوء على إغراءات الربح السريع والمخاطر المالية والاجتماعية المترتبة عنها، عبر قصة ثلاثة شبان من حي شعبي في تسعينيات القرن الماضي (يجسد أدوارهم طارق البخاري، عمر لطفي، وزهير زائر) يلتقون بمؤثرة تُدعى “سمية سطار” تقنعهم بتحويل حياتهم اليومية إلى محتوى على مواقع التواصل الاجتماعي.
ويحقق الثلاثة انتشارا واسعا وأرباحا مالية، قبل أن يتورطوا مع شخصية غامضة تُدعى “سيمو كريبتو” (رفيق بوكر)، تدخلهم عالم المضاربات الرقمية وتضعهم في مواجهة الأمن المالي الوطني، في حبكة تمزج بين الكوميديا والدراما الاجتماعية.
“البوز” و”بنت الفقيه”.. الشهرة المضللة والاستغلال
في السياق ذاته، تناول فيلم “البوز” موضوع الشهرة الزائفة دون محتوى هادف، واضعا “تفاهة الويب” تحت المجهر، إذ أدت فيه دنيا بطمة دور فتاة بسيطة من حي شعبي، تمتلك صوتا جميلا يقودها إلى الشهرة بالصدفة، قبل أن تقع ضحية استغلال فني وتجاري بسبب هشاشتها الاجتماعية.
ولم تختلف قصة فيلم “بنت الفقيه” كثيرا، إذ تناولت من خلال بطلتها ابتسام تسكت مسار فتاة تنتمي إلى طبقة اجتماعية هشة، تنقلب حياتها رأسا على عقب بعد علاقة حب تدفعها للهروب إلى المدينة، لتتحول بالصدفة إلى نجمة على مواقع التواصل الاجتماعي.
وهذه الفتاة تملك الفتاة صوتا جميلا يجعلها محط أنظار أحد المنتجين، الذي يحتجزها لاستغلال تسجيلاتها الصوتية وإعادة تركيبها على مغنية أخرى.
التلفزيون يدخل على الخط.. “فرصة ثانية” و”كوكو البنات”
لم تقتصر هذه التيمة على السينما، بل امتدت إلى الدراما التلفزيونية، إذ ناقش الشريط التلفزي “فرصة ثانية” ظاهرة “الزواج عبر السوشيال ميديا” واستغلال مؤسسة الأسرة لجمع المشاهدات و”اللايكات”، مبرزا ما يترتب عن ذلك من أزمات اجتماعية ونفسية.
ويتابع العمل يوميات زوجين (يجسدهما فاطمة الزهراء الحرش والزوبير هلال) يعيشان حياة بسيطة سرعان ما تتحول إلى عرض يومي أمام الجمهور، ما يؤدي إلى تصدع علاقتهما بسبب تدخل الآخرين في خصوصياتهما.
وتناول الشريط التلفزي “كوكو البنات” القضية ذاتها، من خلال شخصية “حياة” (ابتسام العروسي)، وهي مؤثرة تستعرض تفاصيل حياتها اليومية على الإنترنت، وتُتاجر رفقة زوجها بمآسيهما سعيا وراء الشهرة وجمع المتابعين.
“ليلي طويل”.. “تيك توك” بوابة الشهرة والضياع
ويواصل المسلسل المرتقب “ليلي طويل”، تعميق النقاش حول عالم المؤثرين وواقع “التيك توك”، من خلال قصة فتاة تجد في المنصة طريقا نحو الشهرة، قبل أن تنقلب حياتها رأسا على عقب، وتجد نفسها في مواجهة صراعات بين واقعها الافتراضي ومسؤولياتها الاجتماعية والعائلية.
ويسلط العمل الضوء على التحولات الاجتماعية والنفسية المرتبطة بالشهرة الرقمية، وكيف يمكن أن تتحول الشهرة السهلة إلى عبء يهدد الاستقرار الأسري والهوية الفردية.
