المغرب نيوز

حدود المغرب والجزائر واعتراف باريس بمغربية الصحراء قاداني للسجن

حدود المغرب والجزائر واعتراف باريس بمغربية الصحراء قاداني للسجن


في أول ظهور إعلامي له بعد خروجه من السجن، بدا الكاتب الجزائري الفرنسي بوعلام صنصال أشبه برجل يعود من منفى داخلي طويل، منهكاً من التجربة، ومحاطاً بأسئلة أكثر مما يملك من أجوبة، فبعد عشرة أيام فقط على الإفراج عنه من سجون الجزائر، خرج صاحب “قسم البرابرة” أمام كاميرات “فرانس 24″، متحدثاً عن عام كامل قضاه خلف القضبان، وعن لحظة اعتقال “أطفأت الزمن”، وعن شبكة معقّدة يتداخل فيها الثقافي بالسياسي والدبلوماسي، وتنعكس فيها هشاشة العلاقة بين الجزائر وفرنسا.

في الحوار المطوَّل، بدا صنصال متردداً في انتقاء عباراته، كمن يستعيد اللغة بعد غياب طويل، وقال وهو يبحث عن مفردات تتفلّت منه: “بعد عشرة أشهر من السجن، تفقدُ جزءاً من نفسك… كلّ رائحة قهوة تصيبني بالجنون، حلمتُ بها طويلاً”، معترفاً بأن الكلمات لم تعد تأتي بسهولة، وأن عزلته الصارمة داخل السجن سرقت منه القدرة على الحديث حتى عن أبسط التفاصيل اليومية، ومشيراً إلى أنه فقد كتلة عضلية كبيرة، وتراجع مخزونه اللغوي، وظلّ طيلة شهور منفصلاً عن العالم الخارجي، لا يلتقي أحداً من المعتقلين ولا يسمع سوى وقع خطوات الحراس.

وعن أسباب اعتقاله، شدّد على أن كتبه ليست ضمنها، فهي متوفرة في الجزائر، لكنه أشار إلى “خليط من عوامل سياسية ورمزية”: مواقفه من الإسلام السياسي، حديثه عن الحدود التاريخية بين الجزائر والمغرب، التوتر الفرنسي الجزائري، وزيارته السابقة إلى إسرائيل، إضافة إلى حساسية السلطات تجاه حضوره الثقافي، مؤكداً أنه “لا يوجد سبب واحد، بل مجموعة رموز تقاطعت في لحظة مشتعلة”، كما قال.

ورغم تجربته القاسية، لا يزال صنصال متمسكاً بدعوته القديمة إلى “مصالحة شجاعة” بين باريس والجزائر، والتي كان يُفترض، بحسب رأيه، أن تتم منذ 1962، أسوة بالمصالحة التاريخية بين فرنسا وألمانيا، لكنه يرى أن الخطاب الرسمي لا يزال أسير سرديات الماضي، وأن ستة عقود ضاعت دون بناء جسور جديدة.

ومع أن السجن أنهكه، لم يُخمد شعوره بالكتابة، إذ تحدّث صنصال بوعلام عن مشروع كتاب جديد ربما يروي فيه السجن “كما لم يُقَل”، وعن “الأسطورة التي كانت تُروى عنه بين المعتقلين”، إذ ظنّ بعضهم أن خروجه سيعني خروجهم أيضاً، لكنه يقرّ بالمقابل أنه: “أحتاج وقتاً، الكلمات ستعود… لكنها الآن لا تزال تبحث عن نفسها”.

وخلال حديثه، كشف صنصال جانباً من وضعه الصحي، موضحاً أنه كان يخضع لعلاج ضد سرطان البروستات قبل توقيفه، وأن أطباء في الجزائر قدّموا له “رعاية ممتازة”، لكنه وصل إلى برلين بعد الإفراج عنه مصاباً بأنيميا حادة والتهابات في المعدة، مشيراً إلى أنه ينتظر سلسلة فحوصات جديدة في باريس، غير أن المرض، كما قال، ليس أكثر ما أثقله، بل التجربة الإنسانية داخل السجن.

وتوقّف مطولاً عند لحظة اعتقاله في 16 نونبر 2024 بمطار الجزائر، حين سلّم جواز سفره للشرطي، فسأله هذا عن اسم والده ووالدته قبل أن يطلب منه الجلوس على مقعد جانبي، وبعدها سُحب إلى مكان مجهول، قُيّد، ووُضِع على رأسه قناع، وظلّ ستة أيام دون أن يعرف أين هو أو مع من يتحدث، لافتاً إلى أنه كان مدركاً دائماً لاحتمال توقيفه، لكنه، كما قال، “لم أتوقعه في تلك اللحظة بالذات”.

وأضاف أن التوتر بين الجزائر وفرنسا بسبب ملفات سياسية معقّدة، من بينها اعتراف باريس بسيادة المغرب على الصحراء، خلق “مناخاً مشحوناً” أسهم في قرار توقيفه.

ويؤكد أنه مُنع من الكتب في البداية داخل الزنزانة، ومُنع من التواصل مع محامٍ أو معتقلين آخرين، ولم يُسمح له بدخول مكتبة السجن إلا بعد ثلاثة أشهر، ليجدها مليئة بكتب دينية وكتب تالفة، لكنه قرأ ما توافر، في حين أن الكتابة كانت مهمة مستحيلة: “لا ورق ولا قلم، ولا سلام نفسي يسمح بذلك”.

ويروي صنصال تفاصيل الساعات الأخيرة قبل الإفراج عنه، مشيراً إلى أنه نُقل فجأة إلى سجن “أسوأ بكثير”، ثم إلى المستشفى العسكري، قبل أن يُترك من الثامنة صباحاً حتى الخامسة مساءً في ساحة داخلية بلا أي تفسير، وبعدها جرى وضعه في شاحنة لم يعرف وجهتها، فسأل السائق لكنه لم يحصل على أي إجابة إلا بعد أن لمح من النافذة الصغيرة مَعلماً أدرك منه أنهم يتجهون نحو المطار، “هناك فقط فهمت أن أمر ترحيلي صدر”.

وأوضح صنصال أن ألمانيا لعبت دور الوسيط بين الجزائر وفرنسا، وأن اتفاقاً جرى يقضي بمروره عبر برلين أولاً، حتى لا يبدو الأمر “هزيمة دبلوماسية” للجزائر أمام باريس، مردفاً “عندما رأيت طائرة الرئاسة الألمانية، أدركت حجم اللعبة”.

لكن رغم هذه النهاية المفاجئة، لا يزال الكاتب يؤكد أنه يتصرف بحذر، إذ قال صراحة إنه يراقب كل كلمة ينطق بها، خوفاً على أسرته وعلى من عاشوا معه تفاصيل الاعتقال، متحدثاً عن “عشرات المعتقلين السياسيين” الذين لا يزالون خلف القضبان، من بينهم الصحافي الرياضي كريستوف غييز، ومؤكداً أن لقاءه مؤخراً بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون كان عادياً، وأنه لم يتعرّض لأي استجواب من أجهزة الاستخبارات في فرنسا أو ألمانيا.



Source link

Exit mobile version