زنقة 20 | الرباط
في خضم تصاعد موجة الاحتجاجات الشبابية التي يقودها جيل جديد أطلق عليه إعلامياً “جيل Z”، خرج عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة الأسبق والأمين العام لحزب العدالة والتنمية، بتصريحات يدعم فيها مطالب المحتجين، موجهاً انتقادات للحكومة الحالية ومطالباً بإصلاحات عاجلة.
غير أن هذا الموقف، الذي بدا للبعض تضامناً سياسياً مع الشارع، يطرح إشكالات عميقة حول مصداقية الخطاب السياسي لبنكيران، ويعيد إلى الأذهان حصيلته في تدبير الشأن العام، حين كان في موقع القرار.
ماضٍ سياسي يثقل الحاضر
بين عامي 2011 و2017، ترأس بنكيران أول حكومة بعد حراك 20 فبراير، وقدم نفسه آنذاك كزعيم إصلاحي يحمل “مشروعاً أخلاقياً وسياسياً” لتغيير أوضاع البلاد.
لكن سنوات حكمه كانت حبلى بإجراءات وقرارات اعتُبرت من بين الأكثر قساوة على المستوى الاجتماعي، خصوصاً ما يتعلق بإصلاح صندوق التقاعد، وتحرير أسعار المحروقات، وإقرار نظام التعاقد في التوظيف العمومي.
هذه التدابير، التي دافع عنها بنكيران وقتها باعتبارها “ضرورية لإنقاذ الاقتصاد”، خلّفت آثاراً اجتماعية ونفسية ما تزال قائمة إلى اليوم، خاصة في صفوف الشباب الذين يشعرون اليوم بأن لا أفق يلوح في الأفق.
تناقض الخطاب بين السلطة والمعارضة
المفارقة التي يصعب تجاوزها اليوم هي التناقض الصارخ بين خطاب بنكيران حين كان رئيساً للحكومة، وخطابه الحالي كزعيم معارض.
ففي أكتوبر 2014، وأمام وفود دولية خلال احتفال البنك الإفريقي للتنمية، صرّح بنكيران صراحة بأن على الدولة أن “ترفع يدها عن قطاعات مثل التعليم والصحة”، داعياً إلى ترك المجال للقطاع الخاص في إدارة هذه المجالات الحيوية.
هذا التصور الليبرالي المتطرف لدور الدولة، لا ينسجم اليوم مع حديثه عن ضرورة حماية الطبقات الفقيرة أو مطالبته بإصلاح التعليم والصحة، ما يجعل مواقفه الحالية محل تساؤل، إن لم نقل محل رفض صريح من شريحة واسعة من الجيل الجديد.
الشارع لا ينسى
جيل اليوم، على عكس ما قد يعتقد بعض السياسيين التقليديين، لم يعد يستمد وعيه السياسي من القنوات الرسمية أو من الخطاب العاطفي، بل نشأ في فضاء مفتوح، يقرأ، يشاهد، ويحلل الخطابات والتجارب، ويحتفظ بالذاكرة السياسية لمن سبق.
وهذا الجيل يعلم أن بنكيران لم يكن فقط شاهداً على اختلالات المرحلة السابقة، بل كان من بين من ساهموا في إنتاجها. فكيف لمن خفّض ميزانية الصحة، ولم يفتح أوراشاً حقيقية لإصلاح التعليم، وساهم في تعميق الفوارق الاجتماعية، أن يدّعي اليوم تمثيل صوت الشارع؟.
سياسة البكاء على الأطلال
يبدو أن بنكيران، الذي عُرف بقدرته الفائقة على التواصل الشعبوي، يحاول من جديد اللعب على وتر العاطفة السياسية، مستثمراً في غضب الشارع لمواجهة خصومه السياسيين، أو على الأقل للعودة إلى دائرة الضوء الإعلامي والسياسي.
غير أن هذه المحاولات، وإن لقيت صدى محدوداً في بعض الأوساط، تصطدم بواقع جديد: الشارع المغربي لم يعد يتأثر بالديماغوجيا، ولا يثق كثيراً في من تمرّس في استعمال الدولة واستفاد من امتيازاتها، ثم عاد ليضع نفسه في موقع الضحية أو المنقذ.
الوعي الجديد لا يقبل الوصاية
إن ما يميز المرحلة الحالية هو بروز وعي شبابي نقدي مستقل، يرفض الوصاية السياسية أو التوجيه الحزبي، ويطالب بإصلاحات حقيقية لا تخضع للمزايدات. وهذا الوعي الجديد لا يجد في بنكيران، ولا في أمثاله من السياسيين التقليديين، مرجعية يُحتذى بها أو صوتاً يعبر عنه. بل إن الكثير من الشباب يعتبرون بنكيران أحد رموز الأزمة وليس منقذاً منها، وأن خروجه اليوم لتأييد الاحتجاجات ليس سوى محاولة يائسة للتموقع السياسي من جديد.
الأزمة وفق محللين، ليست فقط أزمة اقتصادية أو اجتماعية، بل هي أيضاً أزمة ثقة عميقة في النخب السياسية. وبنكيران، رغم كل ما راكمه من تجارب، يظل جزءاً من هذه النخبة التي فشلت في إحداث التغيير الموعود. وبالتالي، فإن محاولته الظهور من جديد على موجة احتجاجات لا تمثله ولا تعبّر عنه، تبدو أقرب إلى محاولة للهروب إلى الأمام.
