على مقربة من أهرامات الجيزة، في موقع يجمع بين رمزية الماضي وآفاق المستقبل، تستعد مصر، اليوم السبت، لافتتاح المتحف المصري الكبير، في حدث ثقافي عالمي يعد الأكبر من نوعه في تاريخ المتاحف المخصصة لحضارة واحدة.
وتأتي هذه الخطوة كجزء من جهود مصر لتعزيز مكانتها على الخارطة السياحية والثقافية العالمية، وربط الزوار بتاريخها العريق بالحضارة المصرية القديمة من خلال أساليب عرض حديثة ومبتكرة.
ويشكل المتحف، الذي يمتد على مساحة تقارب نصف مليون متر مربع، صرحا حضاريا يضم أكثر من 100 ألف قطعة أثرية توثق مسار الحضارة المصرية منذ فجر التاريخ وحتى العصرين اليوناني والروماني، ويعتبر امتدادا طبيعيا للمتحف المصري القديم بميدان التحرير، مع تقديم مقاربة جديدة في العرض المتحفي تعتمد على التقنيات الحديثة في الإضاءة والتفاعل البصري والوسائط الرقمية، بما يمنح الزائر تجربة معرفية شاملة ومتكاملة.
تعود فكرة إنشاء المتحف المصري الكبير إلى أوائل تسعينيات القرن الماضي، حين برزت الحاجة إلى فضاء يواكب حجم الاكتشافات الأثرية المتزايدة ويتيح عرضها في ظروف علمية وأمنية ملائمة، لتبدأ بعد ذلك مرحلة طويلة من التصميم والبناء والترميم امتدت لأكثر من عقدين، بمشاركة فريق متنوع من الخبراء المصريين والدوليين في مجالات الهندسة والأركيولوجيا والترميم المتحفي، ما ساهم في تحويل المشروع إلى نموذج عالمي للعرض والحفاظ على التراث الثقافي.
وينتظر أن يشكل افتتاح المتحف محطة بارزة في مسار الحفاظ على التراث المصري، إذ سيحتضن للمرة الأولى المجموعة الكاملة لمقتنيات الملك توت عنخ آمون، والتي ت عرض لأول مرة مجتمعة منذ اكتشافها قبل أكثر من قرن، كما يضم المتحف قاعة رئيسية تتوسطها تماثيل ضخمة لملوك مصر القديمة، في مقدمتها تمثال رمسيس الثاني الذي يستقبل الزوار عند المدخل الكبير، إلى جانب تنظيم معارض دورية وفعاليات ثقافية تعليمية متنوعة تهدف إلى إشراك الجمهور مع التاريخ والحضارة المصرية.
ولا يقتصر المشروع على كونه فضاء للعرض فحسب، بل يضم كذلك مركزا متكاملا للبحوث والترميم، وقاعات تعليمية مجهزة، ومناطق للأنشطة الثقافية والفنية، مما يجعله مركزا علميا وثقافيا متكاملا يسعى إلى تجديد علاقة الجمهور المعاصر بالحضارة المصرية القديمة، ويدعم جهود الباحثين في دراسة وحفظ التراث الأثري.
ويحرص المتحف المصري الكبير على دمج أحدث التقنيات الرقمية في تقديم المعلومات، من خلال شاشات تفاعلية وتطبيقات رقمية تسمح للزائر بالغوص في تفاصيل القطع الأثرية وتاريخها، إلى جانب جولات افتراضية تمكن الزوار من استكشاف أقسام المتحف المختلفة عن بعد، وهو ما يعكس توجه مصر نحو توظيف التكنولوجيا في خدمة التراث والثقافة.
كما يولي المتحف أهمية كبيرة للجانب التعليمي والتربوي، من خلال برامج مخصصة للطلاب والباحثين وورش عمل تتعلق بالآثار والفنون والحرف التقليدية، بالإضافة إلى محاضرات وندوات علمية تهدف إلى توسيع دائرة المعرفة لدى الجمهور من كافة الأعمار، وتعزيز الوعي بأهمية الحفاظ على التراث الثقافي.
ويرتقب أن يساهم المتحف المصري الكبير في تعزيز موقع مصر ضمن خارطة السياحة الثقافية العالمية، إلى جانب الأهرامات ووادي الملوك ومواقع الأقصر وأسوان، ليشكل جسرا جديدا بين الذاكرة التاريخية والرهانات المعاصرة للثقافة والتراث، ويؤكد الدور الرائد لمصر في الحفاظ على إرثها الحضاري ونقله للأجيال القادمة بطريقة علمية حديثة وجاذبة للزوار من كافة أنحاء العالم، كما يعزز المشروع مكانة مصر كمركز ثقافي وإقليمي يستقطب الباحثين والزوار على حد سواء.
