نقلا عن «العرب» اللندنية.. الشيخ محفوظ بن بيه يبعث برسائل «الأمل» لصناع السلم

adminمنذ 4 ساعاتآخر تحديث :
نقلا عن «العرب» اللندنية.. الشيخ محفوظ بن بيه يبعث برسائل «الأمل» لصناع السلم


الشيخ محفوظ بين بيه – الأمين العام لمنتدى أبوظبي للسلم

منذ اتحادها المبارك، لم تفتأ دولة الإمارات العربية المتحدة تقدّم للعالم نموذجا متفرّدا يمزج بين عمق الذاكرة التاريخية، وحنكة البصيرة الواقعية، وطموح الاستشراف المستقبلي، نموذجا لا تزيده التحديات إلا رسوخا، ولا الأزمات إلا صفاء، لتثبت الإمارات أن ازدهارها محروس بأسوار الاستقرار وثمرات الابتكار، وسلامها يحميه عزم وحزم لا يلينان.

في الأزمات تتكشّف حقائق الأمم؛ فليست الحروب اختبارا للقوة والعتاد فحسب، بل هي اختبارٌ لنقاء المعدن الأخلاقي، ومتانة العقد الاجتماعي، ورسوخ المؤسسات، وصدق الصداقات. ولعل العدوان الإيراني على دول الخليج العربي – ذلك العدوان الغاشم الذي استهدف مدنا آمنة وسكانا مدنيين بصواريخ باليستية ومسيّرات في انتهاك صريح للقانون الدولي- كان الشاهد الأصدق على هذا الاختبار الشامل. وفي الوقت الذي توقّع فيه المرجفون أن ترتبك بوصلة التنمية، انبرت الإمارات لتجيب بأفعالها قبل أقوالها.

 أخلاق القوة.. التمسك بالفضيلة وقت الأزمات

في أتون الأزمات ومُلمّات الحروب، تستسهلُ كثيرٌ من الأممِ التحللَ من قيود الفضيلة، لتنزلقَ طواعية في مستنقعات الكراهية وخطابات العَداء. غير أن دولة الإمارات اختارتْ التمسكَ بنقاءِ معدنها الأصيل؛ فلم يستخفّها طيشُ العدوان، ولم تستدرجها فخاخُ الاستفزاز.

ففي اللحظاتِ ذاتها التي كانت فيها دروعُها تتصدى للعدوان في السماء، كانت أياديها تُحيي مآثر “يوم زايد للعمل الإنساني” على الأرض، حيث تواصلت قوافلُها في إغاثة الملهوفين، وتوّجت مسيرتها الإنسانية بتقارير توثق تقديم 100 مليار دولار من المساعدات الخارجية، كما أتمّت دبلوماسية الحياة اتفاقية ناجحة لإطلاق مئات من الأسرى في الحرب الروسية الأوكرانية.

لقد سعت الإمارات قبل الأزمة بكل ما أوتيت من روافع دبلوماسية إلى تجنبها، وهي اليوم في أوجها، ورغم ما تتعرض له من عدوان، تسعى إلى إطفاءها وتجنب تصعيدها، فبرهنت قولا وفعلا على أن السلامَ المستدام لا يرتكزُ فحسب على توازنِ القوى وصلابةِ العتاد، بل يُبنى في صميمه على بنيةٍ أخلاقيةٍ راسخةٍ تنفثُ فيه رُوحَه، وتكفلُ ديمومَتَه. وتلك هي القوةُ الحقيقية؛ قوةُ الموقفِ الأخلاقي لدولةٍ وُجِدَتْ لتكون صانعة للسلام.

قد لا تملك الأوطانُ رفاهية اختيار أقدارها الجغرافية، ولا تنتقي جوارها الإقليمي أو تموضعها الديموغرافي؛ فتلك محدداتٌ ثابتة تفرضها طبائع الجغرافيا وحقائق التاريخ. غير أن الدول العظيمة هي وحدها مَن تملك إرادة الاختيار في كيفية التعاطي مع هذا المحيط؛ فليس قدرا محتوما، ولا مصيرا لازما، أن تنزلق أي دولة في أتون أزمات جوارها، أو أن تحترق بنيران صراعاته العبثية.

وهذا تحديدا هو الدرس البليغ الذي تسطره دولة الإمارات اليوم، لتقدمه نموذجا حيا لكثيرٍ من الدول العربية والإسلامية التي قد تجد نفسها أسيرة لبيئاتٍ مضطربة أو محاطة بجوارٍ مأزوم؛ لتثبت للعالم أجمع أن الجغرافيا المعقدة ليست عذرا لتبرير الفشل أو الارتهان للفوضى، بل هي التحدي الصعب الذي يُصقل فيه معدن الإرادة، وتُبنى في قلبه واحات الاستقرار والسلام.

“لحمٌ مُرّ”.. خيارُ السلام الذي تحرسُه القوة

إن الدولَ العظيمة تتخذُ من السلامِ نهجا لأنها تُقدّس الحياة والإنسان، مدعومة بيقينٍ تام بقدرتها على حماية هذا السلام. ذلك هو ما عبّرت عنه كلماتُ سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد ، حين أوضح أن جمالَ الإماراتِ وتألقَها الحضاري تحرسه قوةٌ واثقة؛ فدولةُ الإمارات واحةٌ دافئةٌ للخير والتعايش، ولكنها في الوقت ذاته محميةٌ بـ «جلدٍ غليظٍ ولحمٍ مرّ» يصونُ طمأنينتها ومكتسباتها.

ومن هنا، يزدهرُ خيارُ الانفتاحِ والرخاءِ في دولتنا في كنفِ درعٍ وطنيٍّ متين؛ قوةٌ عاقلةٌ ونبيلة، تحرسُ الآمال الفسيحة وتضمنُ استدامةَ الرفاه. وقد تجلّى هذا الدرعُ في أبهى صوره عبر منجزاتٍ ميدانيةٍ تبعثُ على الفخرِ والاعتزاز؛ إذ نجحت دفاعاتُنا الجويةُ بحرفيةٍ عالية في تحييدِ أكثرَ من ألفِ هدفٍ جوي، مسجلة نسبَ نجاحٍ إعجازية تخطت 92.7% في اعتراض الصواريخ الباليستية، و94.1% في إسقاط الطائرات المسيّرة.

لتثبت هذه الأرقام المذهلة، بكل إيجابيةٍ وتفاؤل، أن مساعينا نحو السلامِ والتآخي هي خياراتٌ سياديةٌ راسخة، تحرسها إرادةٌ وطنيةٌ لا تلين، لتظل سماءُ الإماراتِ غطاء آمنا للمحبة، وأرضُها موطنا دائما للازدهارِ والأمل.

عقدٌ اجتماعي متين.. الجميعُ “في أمانة رقابنا”

لقد أسست الإمارات عقدها الاجتماعي على قيم التعايش، والأخوة الإنسانية، والتسامح، والاحترام، والحرية المسؤولة. هذه الرؤية تكشف جانبا مهما من التجربة الخليجية الحديثة؛ فكثير من المراقبين في الخارج ينظرون إلى الخليج من زاوية الاقتصاد فقط كمُدن حديثة ونمو سريع، لكن ما يتشكل في العمق هو نموذج سياسي واجتماعي يقوم على الاستقرار المؤسسي، والشراكة، والثقة المتبادلة.

وفي هذه الأزمة الراهنة، أثبت العقد الاجتماعي الإماراتي صلابته الاستثنائية وتجذره العميق. ومن ملامح هذه الصلابة الفريدة أن هذا العقد التاريخي لم يعد يقتصر على المواطنين وقيادتهم فحسب، بل اتسع بحب وإنسانية ليشمل المقيمين، الذين بادلوا الدولة وفاء بوفاء، لأنها عاملتهم كشركاء حقيقيين في قصة النجاح والرخاء.

وقد تجسدت روح هذا العقد في أبهى وأصدق صورها من خلال القيادة الإنسانية لرئيس الدولة، حين تواجد ميدانيا لزيارة المصابين وتقبيل رؤوسهم، باعثا رسالة أبوية وقاطعة للداخل والخارج بأن الجميع “في أمانة رقابنا”، وأن كل من يعيش على هذه الأرض الطيبة هم ضيوف وأهل يُفدى أمنهم وتُصان كرامتهم. ليبرهن هذا الاختبار الميداني للعالم أجمع أن النموذج الإماراتي ليس “حلما مثاليا”، بل هو منظومة مؤسسية ومجتمعية متينة، صُنعت بعناية لتصمد في وجه أعتى العواصف.

ذاكرةُ التحالفات.. والعبورُ نحو المستقبل

“شيئان لا يُنسَيان أبدا: مَن أعانني، ومَن أعان عليّ”. تستحضرُ الإمارات هذه القاعدة التاريخية الأصيلة اليوم بوجهها الأبهى والأكثر إشراقا، لتُسجّل بمدادٍ من الفخر والامتنان تلك الملحمة الاستثنائية من التضامن العالمي معها.

لقد التفتْ دولُ العالم أجمع حول قيادتنا وشعبنا في لحظة الاختبار، في وقفةِ إجلالٍ ومحبة برهنت أن رصيد الإمارات الحقيقي يكمن في صدق تحالفاتها، وعمق احترام المجتمع الدولي لنموذجها السلمي. إن هذا الاصطفاف العالمي الواسع لم يكن مجرد تعاطفٍ دبلوماسي، بل هو حصادٌ نبيل لعقودٍ من غرس الخير، والأخوة، ومدّ جسور التعاون.

ومن هذا المنطلق، يمضي العرب القادمون نحو المستقبل، حاملين في ذاكرتهم الحية وفاء الأصدقاء الذين ساندوهم، لينطلقوا معا نحو مشروع حضاري وعالمي مشترك، يرسخ الاستقرار، ويبني ازدهارا تحرسه الصداقات الصادقة.

لقد لخّص سيدي رئيس الدولة مسارنا بعبارة مكثفة: “سنخرج منها أقوى.” وعدُ صِدْقٍ يَبثّ الطمأنينة في النفوس ويعمر القلوب بالرجاء. سنعبر هذه الأزمة أشدّ تلاحما وأمضى عتادا، جيلٌ يحمل طموحا إنسانيا لا يعرف الانكسار، متسلحا بذاكرة سياسية حيّة، ليرسم مستقبلا تكلؤه عين الحكمة والبصيرة.

المصدر: صحيفة العرب اللندنية



Source link

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق