بدأت ملامح ما يُعرف في الأدبيات السياسية المغربية بموسم الترحال السياسي في الظهور بشكل واضح خلال الأسابيع الأخيرة مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقبلة التي لم يعد يفصل عنها سوى أشهر; وذلك سواء عبر تحركات صامتة أحيانا ومعلنة أحيانا أخرى لقيادات حزبية تبحث عن إعادة تموقع انتخابي يضمن لها الاستمرارية داخل المؤسسات المنتخبة.
وأكدت مصادر استقلالية لـ “الصحيفة”، أن إدريس السنتيسي، رئيس الفريق الحركي بمجلس النواب وعضو المكتب السياسي لحزب الحركة الشعبية هو أحد أبرز عناوين هذه المرحلة الانتقالية الدقيقة بعدما حسم وجهته السياسية وقرّر خوض غمار الانتخابات التشريعية المقبلة باسم حزب الاستقلال بدائرة سلا المدينة، في خطوة تحمل أكثر من دلالة سياسية وتنظيمية.
هذه المعطيات لم تصدر في بلاغ رسمي حزبي إلى حدود الآن، غير أن مصادر من داخل حزب الاستقلال أكدت لـ “الصحيفة” أن التحاق السنتيسي بصفوف “الميزان” بات مؤكدا، ويأتي في إطار استعداد الحزب لتعزيز حضوره الانتخابي بوجوه ذات وزن برلماني وتجربة سياسية طويلة، خاصة في الدوائر الحضرية ذات الكثافة الانتخابية العالية مثل سلا.
وأوضحت المصادر الاستقلالية ذاتها لـ “الصحيفة” أن انضمام السنتيسي للميزان هو “اختيار سياسي محسوب” على اعتبار أنه “اسم وازن بتجربة برلمانية طويلة وحضور انتخابي قوي في سلا” موردة أن حزب الاستقلال منفتح على تعزيز صفوفه بكفاءات قادرة على خوض الاستحقاقات المقبلة بثقلها الحقيقي.
ولفتت المصادر القيادية ذاتها إلى أن الحزب في مرحلة “إعادة ترتيب البيت الداخلي استعدادا لانتخابات تشريعية مفصلية ومن الطبيعي أن تشهد هذه المرحلة التحاق شخصيات لها وزنها داخل المشهد السياسي الوطني وكل شيء يتم في إطار احترام المساطر التنظيمية وسيُعلن عن الخطوات الرسمية في وقتها المناسب” وفق تعبيرها.
وهذا التحول لا يمكن فصله عن السياق الداخلي الذي يعيشه حزب الحركة الشعبية منذ المؤتمر الأخير، ولا عن التوترات التي رافقت العلاقة بين السنتيسي والأمين العام الحالي للحزب، محمد أوزين.
وتحدّثت مصادر حركية لـ “الصحيفة”، عن أن “التيار لم يعد يمر” بين الطرفين، في ظل اختلافات حول أسلوب التدبير الحزبي وتدبير الاستحقاقات المقبلة وموقع بعض القيادات داخل معادلة القرار التنظيمي فيما ورغم أن السنتيسي كان قد نفى، في تصريحات سابقة خلال سنة 2025، أي نية لمغادرة الحزب واعتبر ما يُروج حينها “مجرد إشاعات” إلا أن تطور الأحداث لاحقا أعاد هذه المعطيات إلى الواجهة، وأعطاها بعدا سياسيا ملموسا.
وانتقال السنتيسي لـ “الاستقلال” يندرج ضمن منطق سياسي أوسع بات يطبع الحياة الحزبية المغربية قبيل كل استحقاق انتخابي كبير حيث تتحول بعض الأحزاب إلى فضاءات استقطاب انتخابي أكثر منها فضاءات تأطير سياسي وإيديولوجي وفي هذا السياق، يسعى كل حزب إلى تقوية حظوظه الانتخابية عبر استقطاب أسماء راكمت رأسمالا انتخابيا محليا وشبكات نفوذ تنظيمية، وهو ما يجعل من “الترحال السياسي” آلية غير معلنة لإعادة ترتيب موازين القوى قبل فتح صناديق الاقتراع.
وبالنسبة لحزب الاستقلال، فإن استقطاب شخصية مثل إدريس السنتيسي لا يبدو معزولا عن استراتيجية أوسع لإعادة الانتشار في بعض الدوائر التي يعرف فيها الحزب تنافسا حادا خاصة مع أحزاب تمتلك حضورا قويا على المستوى المحلي كما أن بعض القراءات تشير إلى أن هذا التقارب لا يخلو من امتدادات اجتماعية وعائلية داخل النسيج الاستقلالي، وهو عنصر غالبا ما يلعب دورا غير معلن في إعادة تشكيل التحالفات الانتخابية على المستوى المحلي.
في المقابل، يطرح هذا التحول أسئلة حقيقية حول وضع الحركة الشعبية عشية الانتخابات، ومدى قدرتها على الحفاظ على تماسكها التنظيمي في ظل تداول أخبار عن انسحابات محتملة أخرى أو على الأقل عن حالة فتور سياسي داخل بعض هياكلها فخروج أو ابتعاد أسماء وازنة من الحزب قد ينعكس مباشرة على أدائه الانتخابي خاصة في الدوائر التي كان يعوّل فيها على شخصيات بعينها أكثر من اعتماده على قوة العلامة الحزبية نفسها.
أبعد من حالة إدريس السنتيسي، تكشف هذه التطورات عن مناخ سياسي يتسم بإعادة التموضع أكثر مما يتسم بتنافس البرامج والرؤى فقبل أشهر قليلة من موعد تشريعي حاسم تنشغل الأحزاب بإعادة ترتيب صفوفها وضبط لوائحها واستقطاب المرشحين “الأكثر ضمانا” انتخابيا، في وقت تتراجع فيه النقاشات العمومية حول السياسات العمومية والاختيارات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى وهو معطى يطرح، مرة أخرى سؤال وظيفة الأحزاب السياسية وحدود التمثيل البرلماني في ظل دينامية انتخابية يغلب عليها منطق الحسابات الفردية والبراغماتية السياسية.
