فتح إعلان رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، عدم ترشحه لولاية ثالثة على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار، خلال المؤتمر الاستثنائي المرتقب يوم 7 فبراير بمدينة الجديدة، نقاشا سياسيا واسعا تطفو فوقه تساؤلات عديدة حول خلفيات القرار وتوقيته، وعلاقته المباشرة بالاستحقاقات التشريعية لسنة 2026.
ويأتي القرار على بُعد أشهر من الانتخابات التشريعية وعقب سياق سياسي واجتماعي مشحون، تَميّز خلال السنوات الأخيرة بتصاعد موجات الغضب والاحتقان الشعبي ضد أخنوش، بسبب ارتباط اسمه بسلسلة من الملفات التي شغلت الرأي العام المغربي، من حملة المقاطعة سنة 2018، إلى أزمة غلاء الأسعار، وصولا إلى اتهامات تضارب المصالح وصفقات كبرى أثارت جدلا واسعا ولازالت.
ووفق العديد من القراءات السياسية، فإن هذا التراكم جعل من أخنوش شخصية سياسية تثير “السخط” لدى فئة عريضة من المغاربة، وهو ما يطرح فرضية أن التخلي عن رئاسة الحزب قد يكون خطوة محسوبة لتخفيف هذا الثقل عن حزب “الحمامة” قبل الدخول في سنة انتخابية حساسة في الأشهر القليلة المقبلة.
ويُطرح هذا السياق سيناريو “التصويت العقابي” الذي قد يكون أخنوش وحزب التجمع الوطني للأحرار قد وضعاه في الحسبان، ولا سيما في ظل وجود أصوات عريضة من الشعب المغربي تُحمل أخنوش وحزبه مسؤولية التدهور الاجتماعي والاقتصادي في العديد من القطاعات، بالرغم من أن بعض المحللين السياسيين المغاربة سبق أن أشاروا في تصريحات لـ”الصحيفة” إلى أن “تقاليد” الانتخابات في المغرب نادرا ما تشهد سيناريوهات “التصويت العقابي” مثلما يحدث في عدد من البلدان.
لكن بالرغم من ذلك، فإن سيناريو “التصويت العقابي” يبقى واردا، في ظل ارتفاع مطالب – خاصة في أوساط الشباب – تدعو إلى عدم التصويت على السياسيين الذين تعتبرهم مسؤولين على تدهور الأوضاع الاجتماعية، ومتورطين في تضارب المصالح، وارتفاع منسوب الوعي لدى شرائح عريضة من المغاربة الذين باتوا يطالبون بالتغيير الحقيقي، تزامنا مع مساعٍ لفرض قوانين تمنع “الرشاوى الانتخابية” في الانتخابات المقبلة.
ويُعتبر عزيز أخنوش، من الأسماء السياسية التي رُفعت مطالب بإبعادها وإسقاطها من تدبير الشأن المغربي، خاصة في مظاهرات شباب “جيل زد” التي اجتاحات المغرب في الشهور القليلة الماضية، ومن الأسماء التي تعرضت لأكبر الانتقادات من المعارضة، بسبب ارتباط اسمه بفوز شركاته بالصفقات العمومية، وعلى رأسها مشروع تحلية مياه البحر بجهة الدار البيضاء – سطات، في مثال صارخ على تضارب المصالح، حيث بدا في نظر منتقديه رئيسا للحكومة في جبة رجل الأعمال، رغم محاولاته للدفاع عن قانونية الإجراءات المتخذة في تلك الصفقات.
وفي المقابل، يدرك حزب التجمع الوطني للأحرار أن خوض انتخابات 2026 بنفس الواجهة القيادية، وفي ظل هذا الرصيد الثقيل من الانتقادات، قد يضعه في مواجهة مباشرة مع مزاج انتخابي “ناقم”، وبالتالي فإن خطوة أخنوش قد تكون رسالة موجهة أولا للشارع ومفادها أن الحزب يستجيب لمطلب “التجديد” ويتفاعل مع الانتقادات، والثانية موجهة للداخل الحزبي، لتفادي ربط مصير الحزب الانتخابي بشخص واحد أصبح عنوانا للجدل.
غير أن الابتعاد عن رئاسة الحزب لا يعني بالضرورة انسحاب أخنوش من المشهد السياسي أو نهاية طموحه الحكومي، إذ إن الدستور المغربي ينص على أن تعيين رئيس الحكومة يتم من داخل الحزب المتصدر للانتخابات التشريعية، دون اشتراط أن يكون الأمين العام أو رئيس الحزب.
هذا المعطى يفتح الباب أمام سيناريو آخر، يتمثل في فصل مؤقت بين القيادة الحزبية والواجهة الحكومية، بما يسمح للحزب بخوض الانتخابات بوجه أقل استفزازا للناخبين، مع الإبقاء على إمكانية عودة أخنوش إلى رئاسة الحكومة في حال تحقيق “الأحرار” لنتائج قوية.
لكن، في الوقت نفسه، يرى كثيرون أن هذا الرهان يبقى محفوفا بالمخاطر، إذ إن جزءا من الرأي العام قد يعتبر الخطوة مجرد مناورة شكلية، وبالتالي فإنه في حالة تولى أخنوش مرة أخرى رئاسة الحكومة قد يعيد إنتاج نفس منسوب الغضب.
وقبل الوصول إلى الانتخابات وما ستسفر عنه، تبقى الأسئلة المطروحة حاليا هي هل سينجح أخنوش، عبر هذه الخطوة، في تخفيف العبء عن حزبه دون أن يفقد موقعه في معادلة الحكم؟ أم أن تراكم الغضب تجاوز مرحلة تغيير الواجهات؟.
