تثير الخطوة التي أقدم عليها الحزب الشعبي الإسباني في عدد من الأقاليم التي يشرف على تسييرها، بإلغاء برنامج تعليم اللغة العربية والثقافة المغربية في المدارس العمومية، موجة واسعة من الجدل السياسي والإعلامي، باعتبارها إحدى أكثر القضايا حساسية في سياق حملة انتخابية مبكرة وغير معلنة، تتغذّى على خطاب الهوية واستدعاء العلاقة مع المغرب كورقة ضغط انتخابية.
ورغم أن البرنامج قائم منذ سنوات، دون أن يثير أي سجال يذكر داخل المؤسسات التعليمية، فإن ضغوط اليمين المتطرف دفعت الحزب الشعبي إلى التراجع عن مواقفه السابقة، متبنّيا موقفا أقرب إلى أجندة حزب “فوكس”، الذي جعل من مواجهة الوجود الثقافي العربي والمغربي داخل الفضاء التعليمي شعارا مركزيا في معاركه المحلية والبرلمانية.
وشهد العام الدراسي الجاري إلغاء البرنامج في إقليمي مدريد ومورسيا، فيما تدرس أقاليم أخرى الخطوة نفسها، مما أدى إلى تراجع عدد المؤسسات المشاركة في اعتماده بنحو 80 مؤسسة، رغم تأكيدات مدرسي ومُديري المؤسسات التعليمية على أن البرنامج لم يتضمن أي مضمون ديني ولا أي ممارسة مثيرة للجدل.
مؤسسات إسبانية عديدة دافعت عن هذا البرنامج، على اعتبار أنه ساعد على تعزيز اندماج آلاف التلاميذ من أصول مغربية، كما أتاح للمدارس الاستفادة من وساطة الأساتذة المغاربة بين الإدارة والأسر، في واحدة من أكثر التجارب التربوية نجاحاً في التعامل مع فصول متعددة الثقافات، والأهم أن البرنامج لم يكلّف ميزانيات الأقاليم شيئاً، كون الأساتذة تُموّلهم الحكومة المغربية عبر مؤسسة الحسن الثاني.
غير أن هذا المعطى البيداغوجي لم يكن كافياً لوقف موجة التحريض السياسي التي يقودها حزب “فوكس” اليميني المتطرف، والذي بدأ سلسلة مبادرات محلية تهدف إلى إنهاء البرنامج بذريعة “الحفاظ على التماسك الثقافي”، ففي مدينة “ليبي” التابعة لمقاطعة “ويلبا” الأندلسية مثلا، تقدمت المستشارة فرجينيا مونتيرو بمقترح يدعو حكومة الأندلس والحكومة المركزية إلى إنهاء التدريس فورا، متهمة البرنامج بأنه “بوابة لنشر الثقافة المغربية داخل المدارس الإسبانية”.
وقدّم فرع الحزب في “ويلبا” بدوره مقترحا مشابها، في مشهد يعكس تنسيقاً واسعاً لحملة تُحمّل المغرب وأطرافاً مرتبطة به مسؤولية “اختراق ثقافي”، رغم أن البرنامج يدار بتنسيق رسمي بين وزارة التعليم الإسبانية والسفارة المغربية منذ أكثر من عشر سنوات.
الحزب الشعبي، الذي يقود عددا من الحكومات الإقليمية اعتمادا على دعم “فوكس”، بدا خلال الشهور الأخيرة أكثر استعدادا للتنازل عن مواقفه السابقة، إذ يتعرض لضغط مباشر لتمرير ميزانيات أو الحفاظ على استقرار حكومات محلية تعتمد كليا على أصوات اليمين المتطرف، ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة (2027)، يتعزز داخل الحزب اتجاه يُراهن على خطاب الهجرة والهوية، باعتباره ورقة قادرة على استقطاب أصوات المحافظين الجدد، حتى ولو كان الثمن هو ضرب برنامج باركته حكومة ماريانو راخوي سنة 2012 عن الحزب الشعبي الذي ترأس حكومة مدريد الى حدود سنة 2018.
كما يبرز حضور واضح لورقة المغرب والصحراء في الصراع الداخلي بين القوى اليمينية الاسبانية، فقد سبق للحزب الشعبي خلال الأشهر الماضية أن استقبل في مقره المركزي شخصيات انفصالية مرتبطة بملف الصحراء، في خطوة فسّرها المراقبون كرسالة سياسية تجاه الحكومة المركزية التي تبنّت موقفاً داعماً لمبادرة الحكم الذاتي، حيث أن هذا التحول لم يكن معزولا، إذ أعاد الحزب استثمار الملف في خطاباته، محمّلاً مدريد الحالية مسؤولية “الانحياز للمغرب”، في محاولة لشدّ العصب اليميني وخلق مسافة مع الموقف الحكومي.
غير أن هذه المقاربة أثارت انتقادات شديدة من قبل قوى سياسية مشاركة في الحكومة الاسبانية نفسها، التي تتهم الحزب الشعبي بالرضوخ لضغوط “فوكس” وبارتكاب خطأ سياسي يهدد التعايش المجتمعي، وهو ماعبرت عنه وزيرة الإدماج والهجرة “إلما سايز” التي وصفت الإلغاء بأنه قرار “يعكر الأجواء ويغذّي التمييز”، مشيرة إلى أحداث توري باتشيكو وخومييا، التي شهدت توترات مرتبطة بخطاب الكراهية، وإلى قرارات سابقة في بعض البلديات منعت الاحتفالات الإسلامية في الفضاء العام.
