المغرب نيوز

إنتاج السردين يتهاوى بــ46% مع منع التصدير وتراجع نشاط الصيد وسط التقلبات المناخية.. وإجراءات حكومية لضبط أسعاره خلال رمضان

إنتاج السردين يتهاوى بــ46% مع منع التصدير وتراجع نشاط الصيد وسط التقلبات المناخية.. وإجراءات حكومية لضبط أسعاره خلال رمضان


في سياق يتسم بارتفاع الطلب الموسمي على منتجات البحر سيما مع حلول شهر رمضان، أعلنت كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، زكية الدريوش، عن تعبئة أكثر من 2000 طن من السردين المجمّد سيُطرح في الأسواق بسعر ينطلق من 13 درهما للكيلوغرام، في محاولة لكبح أي موجة ارتفاع خلال الشهر الفضيل وضمان تموين منتظم للسوق الوطنية.

الإعلان لم يكن معزولا عن سياقه، فخلال الأسابيع الماضية عرفت أسعار السردين تقلبات ملحوظة أثارت قلق المستهلكين في ظل طلب متزايد وتراجع نسبي في العرض وقد أرجعت المسؤولة الحكومية هذا الارتفاع إلى عوامل ظرفية في مقدمتها فترة الراحة البيولوجية التي تُفرض سنويا للحفاظ على المخزون السمكي، إلى جانب الاضطرابات الجوية التي أثرت على نشاط الصيد وحجم الكميات المفرغة بالموانئ وهي عوامل، بحسبها، أدت إلى تقلص العرض في السوق الداخلية، ما انعكس مباشرة على الأسعار.

غير أنه الدريوش أكدت في المقابل أن الأسعار مرشحة للانخفاض تدريجيا ابتداء من منتصف فبراير، مع استئناف نشاط الأساطيل وعودة الإمدادات إلى مستوياتها المعتادة.

من جهة ثانية، فإن تدبير الظرفية لم يقتصر على تعبئة مخزون مجمّد أو انتظار تحسن الأحوال الجوية، ففي خطوة لافتة، تم إخضاع صادرات السردين الطري والمجمّد لنظام الترخيص لمدة 12 شهرا ابتداء من فاتح فبراير، مع تفعيل منع مؤقت للتصدير.

القرار، الذي جاء في سياق تدابير احترازية لتثبيت الأسعار وضبط السوق، يهدف إلى إعطاء الأولوية للسوق الوطنية في مرحلة تعرف ضغطا استهلاكيا مرتفعا، فالسلطات بررت الخطوة بوجود مؤشرات علمية تتعلق بالضغط على المورد السمكي، وبالحاجة إلى توجيه الكميات المتاحة نحو الداخل قبل تلبية الطلب الخارجي، كما شددت على أن الإجراء انتقالـي ومرن، قابل للمراجعة تبعا لتطور وضعية المخزون والإنتاج.

وفي خلفية هذا القرار، يبرز توازن دقيق بين منطقين هما منطق اقتصادي يدفع نحو التصدير باعتباره مصدرا للعملة الصعبة ودعامة للقطاع، ومنطق اجتماعي يعتبر السردين مادة أساسية في استهلاك فئات واسعة، ما يفرض حمايته من تقلبات السوق الدولية والمضاربات.

وقد أشارت كاتبة الدولة إلى أن حصة السردين ضمن الصادرات عرفت تراجعا خلال السنوات الأخيرة لفائدة تنويع المنتوجات البحرية، في إشارة ضمنية إلى أن هامش المناورة ما زال قائما دون المساس الجوهري بتوازن القطاع.

إلى جانب ذلك، تم الإعلان عن إطلاق النسخة الثامنة من مبادرة “حوت بثمن معقول” التي ستوفر 5000 طن من الأسماك خلال سنة 2026، مقابل 4673 طنا في السنة الماضية، والمبادرة ستغطي 47 مدينة عبر 12 جهة من خلال أكثر من 1100 نقطة بيع، مع انخراط الأسواق الكبرى لأول مرة في هذه العملية والعرض لن يقتصر على السردين المجمّد، بل سيشمل الأنشوبة وأنواعا أخرى من الأسماك، في مسعى لتنويع المنتوج وتقليص الضغط على صنف واحد، وضمان توزيع أكثر توازنا للكميات بين مختلف المناطق، بما فيها المدن البعيدة عن الموانئ.

ولتفادي أي انزلاقات في الأسعار أو اختلالات في التوزيع، تم تعزيز آليات التتبع والمراقبة عبر إحداث لجنة مركزية مخصصة، واعتماد مراقبة يومية للكميات والأسعار في أسواق الجملة والتقسيط، بتنسيق مع لجنة تتبع التموين تحت إشراف وزارة الداخلية فيما الرهان هنا لا يتعلق فقط بضبط الأرقام، بل بضمان أن يصل السعر المعلن 13 درهما للكيلوغرام فعليا إلى المستهلك النهائي، دون أن تلتهمه حلقات الوساطة أو المضاربة.

وبهذه التدابير، تحاول السلطات رسم معادلة بين حماية المورد السمكي عبر الراحة البيولوجية والقيود المؤقتة على التصدير، وفي الوقت ذاته تحصين القدرة الشرائية خلال فترة ذروة الاستهلاك، فالسردين في المغرب ليس مجرد سلعة بحرية، بل عنصر مركزي في سلة غذائية واسعة الانتشار، وميزان حساس يعكس قدرة السياسات العمومية على التوفيق بين متطلبات السوق، واستدامة الموارد، وضمان الأمن الغذائي فيما يبقى الاختبار الفعلي لهذه الإجراءات في قدرتها على الصمود أمام ضغط الطلب خلال رمضان، وعلى تحويل القرار الإداري إلى استقرار ملموس في جيوب المستهلكين.

وكانت الحكومة قد قررت في بداية السنة الجارية، منع تصدير السردين المجمد ومنع تصدير أنواع السردين عموما لفترة تصل إلى 12 شهرا، ابتداء من 1 فبراير 2026، في خطوة حكومية تُعد من أهم التدابير الاقتصادية والاجتماعية التي اتخذتها المملكة في هذا المجال منذ سنوات.

القرار الذي أعلنته زكية الدريوش، كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، أثناء جلسة للأسئلة الشفوية في البرلمان جاء في سياق ضغوط متزايدة على السوق الداخلية بعد تراجع ملحوظ في مفرغات السردين من المصائد المغربية، مما أثر مباشرة على توازن العرض والطلب وأسعار هذا المنتوج الغذائي الأساسي.

وفي ظل إحصاءات رسمية تشير إلى انخفاض كميات السردين المصطادة بنحو 46٪ في عام 2024 مقارنة بتسعينيات الإنتاج السابقة، وهو انخفاض أثّر على توفر هذا الصنف الحيوي الذي يمثل حوالي 80٪ من مجموع الموارد السمكية السطحية في المياه المغربية، باتت السوق المحلية تواجه ضغوطا حقيقية ليس فقط من حيث توفر العرض بل أيضا من حيث ارتفاع الأسعار التي أصبحت عدة مرات خارج متناول قدرة مصرف بعض الأسر.

الحكومة لم تكتف بإعلان المنع، بل وضعت القرار في سياق استراتيجية أوسع تهدف إلى حماية تموين السوق الوطنية وضبط الأسعار، لا سيما مع دخول شهر رمضان الذي تشهد فيه الأسواق عادة ارتفاعا حادا في الطلب وتشمل السياسة الحكومية أيضا توسيع مبادرة “الحوت بثمن معقول” التي توفر كميات ضخمة من الأسماك بما فيها السردين المجمّد لأول مرة في نطاقها هذا العام بأسعار ثابتة تهدف إلى حماية القدرة الشرائية للمستهلكين.

ويُنظر إلى المنع المؤقت لتصدير السردين باعتباره إجراء استثنائيا ومؤقتا ولكن ذا بعد استراتيجي فهو يهدف أولا إلى زيادة العرض المتاح داخل الأسواق الوطنية عبر توجيه الكميات التي كانت تُصدّر خارج المغرب نحو الاستهلاك الداخلي، وبالتالي المساهمة في خفض الضغط على الأسعار التي سجلت ارتفاعات غير مسبوقة.

لكن خطوة الحكومة أثارت نقاشات واسعة في أوساط الفاعلين الاقتصاديين والصناعيين، فقد عبّرت بعض جمعيات ومصانع تعليب وتجميد الأسماك عن قلقها من تداعيات منع التصدير على سلسلة القيمة الصناعية ككل معتبرة أن هذا القرار، إذا استمر لمدة عام كامل قد يمس أنشطة الشركات التي تعتمد بشكل كبير على إمدادات سوق التصدير ويتسبب في اختلالات في تشغيل وحدات معالجة السمك ووظائف مرتبطة بها، إضافة إلى فرص الاستثمار والتنمية في المناطق الساحلية.

من جانبها، تُبرز السلطات أهمية القرار باعتباره أحد أعمدة سياسة حماية المستهلك وضمان الأمن الغذائي في فترة حساسة، وتربطه بضرورة تعزيز قدرات الرقابة والتتبع على السوق عبر آليات مراقبة يومية للأسعار والكميات في أسواق الجملة والتقسيط بالتنسيق مع وزارة الداخلية واللجان المركزية المختصة، لضمان أن فوائد هذا التوجيه الجذري للعرض تصل بالفعل إلى المواطنين.

القرار الحكومي يعكس أيضا واقعا أعمق يتعلق بتدبير الموارد البحرية في المغرب، الذي يعتبر من أكبر الدول المنتجة والمصدرة للسردين في العالم، بفضل امتداده الساحلي على الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، ولكن في الوقت نفسه يواجه تحديات بيئية واقتصادية تتعلق بتراجع السردين بفعل تغيرات مناخية، الضغط على المصايد، والعوامل اللوجستية والتسويقية المتشابكة.



Source link

Exit mobile version