في سياق الحرب التي تشنها كل من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على النظام الإيراني، وفي ظل حالة اللايقين التي تسود أركان النظام في طهران، خاصة بعد مقتل المرشد العام علي خامنئي وما كشفه غيابه من إرتباك في صناعة القرار، ليس أقله، اعتذار الرئيس مسعود بزشيكيان لدول الخليج عن الهجمات التي طالتها والتعهد بعدم استهدافها مجددا واستمرار تلك الهجمات والتهديدات معا، وهو ما يؤشر على وجود بون كبير وارتباك مؤكد في العلاقة بين المستوى السياسي والمستوى العسكري، مع احتمال تمرد المستوى العسكري ممثلا في الحرس الثوري على الاعتبارات السياسية.
يترافق هذا الوضع مع التهديدات الصريحة التي وجهها أعضاء البرلمان الإيراني من المحافظين، لأفراد الشعب الإيراني إذا ما فكروا في الاحتجاج على النظام لأن ذلك يضعهم في موقع العمالة للعدو. بهذه الطريقة واجه النظام خصومه على مدى أزيد من 47 سنة، فكانت السجون والمعتقلات جاهزة لاستقبال المعارضين بتهم الخيانة والعمالة للخارج، بشكل لا يختلف كثيرا عن أساليب أجهزة نظام الشاه الأمنية وفي طليعتها جهاز “السافاك”(جهاز أمن الشاه).
في قلب طهران، خلف بوابات عالية وأسوار رمادية، يقف سجن إيفين كأكثر من مجرد مبنى احتجاز؛ إنه مرآة مظلمة للسياسة الإيرانية منذ عهد الشاه وحتى الجمهورية الإسلامية. كان من المثير حقا أن يكون سجن إيفين من بين آخر الأهداف التي قصفتها الطائرات الإسرائيلية في حرب ال 12 يوما دون أن يلفت ذلك كبير اهتمام.
ُّيقول بهروز قمري في مقدمة كتابه “قافلة الإعدام..مذكرات سجين في طهران” : “مُتُّ في السابعة والنصف من صباح 31 ديسمبر 1984. لا أقول ذلك مجازاً، وإنما بالمعنى الحقيقي للوجود. في تلك اللحظة تماماً، وضعت قدماً في العالم الآخر مع توقيع متردد ذيل قرار الإفراج. أوضح لي الحارس أن الخطوط الضبابية التي لمحتها من تحت عصبة العينين كانت لإطلاق سراح مشروط لظروف صحية. وكان يجب إعادة جسدي إلى السجن لإصدار القرار الرسمي. استغرق الأمر مني بضع سنوات لأدرك أنني مت فعلاً في ذلك الصباح الباكر. لا علاقة لهذا باتم النجاة ولا بثقل تفاهات الحياة. تركت خلفي النفس التي عرفتها دون أي محاولة دنيوية لاسترجاعها.
في سياق بوحه الحزين يضيف بهروز قمري أن الموت يحدث تدريجياً. يلتهم جزءاً صغيراً من الحياة كل مرة. بتوقيع إطلاق السراح ذاك، يقول قمري، “سلّمت ببساطة أنني بددت أجزاءً كثيرة من حياتي، أي تجاوزت العتبة. كان عليّ، بعد ثلاث سنوات قضيتها في زنزانة المحكومين بالإعدام، أن أغادر سجن إيفين السيئ السمعة في طهران مع جسد منهك بالسرطان. السجن الذي وقف قادة الثورة المبتهجون عند بوابته قبل بضع سنوات فقط، متعهدين بتحويله إلى متحف يشهد على فظاعات الماضي. “في إيران”، صرحوا في ذلك المساء البارد من فبراير 1979، “لن يكون هناك المزيد من السجناء السياسيين”.
أما هوشنغ أسدي الذي اقتسم زنزانة السجن زمن الشاه مع المرشد السابق علي خامنئي، فقد كتب عن سجن إيفين في مذكراته التي تحمل عنوان “رسائل إلى معذبي..الحب السجن والثورة في إيران”، أن سجن إيفين يعدّ أكبرَ مركز تعذيب يُحتجز فيه سجناء سياسيُّون في إيران في عهد الحكومة الإسلامية؛ حيث تم اختيار حراسه من رجال العصابات والقَتَلة في طهران.
ليس صدفة أن يكون هذا السجن قد ضم بين جدرانه أسماء من النخبة الفكرية والسياسية المعارضة، بدءا بمعارضي الشاه رضا بهلوي وانتهاء بمعارضي آيات الله في الجمهورية الإسلامية من الخميني إلى خامنئي. وقد وثق الكاتب والأكاديمي الإيراني إحسان نراغي، على غرار بهروز قمري وهوشنغ أسدي وآخرين، جانبا مهما من هذه التحولات في كتابه اللافت من “بلاط الشاه إلى سجون الثورة” وهو كتاب/شهادة مقسم إلى جزئين، تحدث في جزئه الأول عن اللقاءات التي جمعته بالشاه في قصره خلال الشهور الأخيرة من نهاية نظامه، أما في جزئه الثاني فيسرد فيه تجربته الشخصية ولقاءاته مع وجوه بارزة من نظام الشاه داخل سجن إيفين بعد نجاح الثورة؛ من مدنيين وعسكريين وأمنيين، في لحظة تاريخية مفصلية بين نهاية نظام الشاه وبزوغ الجمهورية الإسلامية.
كان إحسان نراغي رجلا مثقفا وناقدا، عمل مستشارا ثقافيا وكتب في قضايا التنمية والمجتمع المدني وكان أحد أبرز خبراء منظمة اليونسكو. لكنه، رغم مواقفه النقدية زمن الشاه والتي تستند على خلفية أكاديمية رصينة، فإنه لم ينج من السجن بعد الثورة. هذا الانتقال من بلاط الحكم إلى زنازين إيفين يختصر قصة إيران الحديثة بكل تناقضاتها. ففي لحظة انهيار النظام البهلوي، لم يكن السجن فقط مكانا للاعتقال، بل صار مسرحا لحوارات غير متوقعة بين من كانوا يوما ما على طرفي نقيض: رجال أمن الشاه ومعارضيهم، الذين سرعان ما أصبحوا بدورهم سجانين أو سجناء في النظام الجديد، خاصة بعد التصفيات السريعة التي قام بها الخميني لشركائه في الثورة من شيوعيين وليبراليين.
من أغرب المفارقات التي وثقها نراغي بحس سوسيولوجي عالي، هي تلك الحوارات التي كانت تدور في الزنازين بين رموز النظام البائد ومعارضيه. أظهر ذلك أنه في عتمة السجن، تسقط الحواجز الإيديولوجية مؤقتا، ويظهر الإنسان بما يحمله من قلق فكري وأسئلة وجودية.
تحدث نراغي عن ضباط من “السافاك” وجدوا أنفسهم يحاورون شيوعيين، وماركسيين يتحاورون مع رجال دين. كانت تلك الحوارات، رغم قسوة المكان، محاولات لفهم ما جرى وما يمكن أن يحدث.
لقد تحول السجن من مجرد مكان للقمع إلى مختبر سياسي عميق، يجري فيه تقييم التجربة الإيرانية بكاملها: أخطاء الشاه، انحرافات الثورة، وهموم المثقف، وقلق الإنسان العادي. فالسجين لم يكن مجرد متلق للعقاب، بل مشاركا في إنتاج وعي سياسي جديد، حتى لو وئد لاحقا.
لم يكن سجن إيفين، مع ذلك، مجرد فضاء للحوار أو النقاش. إنه رمز للقمع المستمر، بغض النظر عن من يملك زمام السلطة. ما إن استقر نظام آيات الله حتى امتلأت الزنازين بمعارضيهم: مثقفون، طلاب، نساء، مناضلون علمانيون، وأعضاء في جماعات دينية أخرى. ومن سخرية التاريخ وعبثية السياسة أن كثيرا من الذين عانوا من بطش الشاه وجدوا أنفسهم يمارسون القمع ذاته بعد أن تولوا السلطة.
هكذا أصبح سجن إيفين ذاكرة مزدوجة: ذاكرة ألم ومقاومة لدى ضحاياه، وذاكرة نفاق سياسي حين يستعيده البعض من دون الاعتراف بخطاياهم بعد الثورة. إن قراءة/شهادة نراغي توضح هذا التعقيد، فهو لا يتحدث عن سجنه كضحية فقط، بل كشاهد على عبثية الانتقال من دكتاتورية إلى أخرى تحت شعارات مختلفة.
تاريخ سجن إيفين هو في جوهره تاريخ لتذبذب الهوية السياسية في إيران. فالبلاد التي حلمت بالديمقراطية منذ أوائل القرن العشرين، لم تنج من توارث أدوات القمع وتكرارها. في هذا السياق، يمثل إيفين فشلا رمزيا للنخبة الحاكمة، أيا كان لونها، في بناء دولة عادلة. وهو أيضا تذكير بأن سجون الطغاة ليست فقط أماكن للموت، بل يمكن أن تكون أماكن ولادة لأفكار جديدة، حتى وإن قمعت لاحقا.
إن قراءة تجربة إحسان نراغي، لا سيما من خلال كتابه الذي يجمع بين السيرة والتأمل السياسي، تجعلنا نعيد النظر في مفهوم “الحرية” و”الثورة”. فالسجون ليست مجرد نهاية المسار السياسي للمثقف أو المناضل، بل قد تكون بدايته الفعلية. وسجن إيفين، رغم ظلاله الثقيلة، كان مدرسة غير متوقعة لفهم آليات السلطة والنفاق السياسي والتحولات الفكرية في المجتمع الإيراني.
فهل ستبقى الزنازين أعمق من المنابر في إنتاج الوعي؟ وهل سيأتي يوم يغلق فيه سجن إيفين، لا لأنه خال من السجناء فحسب، بل لأنه لم يعد ضروريا؟ هذا السؤال، كما يبدو، ما زال معلقا في سماء طهران، ينتظر من يملك الشجاعة ليجيب عليه، لا من يمد في عمره بملئه بسجناء جدد على خلفية الحرب الجارية والاحتجاجات الأخيرة.
