اتفاق “جبل طارق” يدخل حيز التطبيق المؤقت في أبريل.. والرباط تراقب تداعيات “النموذج” على سبتة ومليلية

adminمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
اتفاق “جبل طارق” يدخل حيز التطبيق المؤقت في أبريل.. والرباط تراقب تداعيات “النموذج” على سبتة ومليلية


في تطور دبلوماسي وأمني يراهن عليه الإسبان لطي صفحة عقود من التوتر الحدودي، كشفت مدريد عن تفاصيل الاتفاق المبرم مع لندن بشأن جبل طارق، في خطوة وصفتها الحكومة الإسبانية بـ”التاريخية” و”بداية مرحلة جديدة” في العلاقة مع المستعمرة البريطانية الواقعة على بعد أمتار قليلة من السواحل الإسبانية.

غير أن هذا الاتفاق، الذي يمنح الشرطة الإسبانية دورا أمنيا غير مسبوق داخل جبل طارق، يثير اهتماما خاصا في الرباط، التي تتابع عن كثب التطورات في منطقة المضيق، وتقرأ ما يمكن أن يعنيه “النموذج الجبلطارقي” بالنسبة لملف المدينتين المحتلتين سبتة ومليلية.

وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي-مارلاسكا، وفي تصريحات أدلى بها من مدينة الجزيرة الخضراء الجنوبية المطلة على المضيق، أعلن رسميا أن الاتفاق الجديد يعني “اختفاء السياج” الحدودي الذي طالما شكل حاجزا ماديا ورمزيا بين إسبانيا وجبل طارق.

وأوضح مارلاسكا أن الهدف من هذا الاتفاق هو خلق “إطار ضروري للتعايش والتعاون والتوزيع العادل للتنمية الاجتماعية والاقتصادية” لصالح منطقة “كامبو دي جبل طارق” بأكملها، مشيرا إلى أن أكثر من 15 ألف شخص من سكان هذه المنطقة، معظمهم من مدينة لا ينيا المتاخمة للحدود، يعملون يوميا داخل جبل طارق، وأن الحكومة الإسبانية “تدرك جيداً هذه العلاقات الاجتماعية والاقتصادية” وتسعى لتعزيزها من خلال الاتفاق الجديد.

أما النقطة الأكثر حساسية في الاتفاق، والتي أثارت ردود فعل متباينة في الأوساط السياسية والإعلامية الإسبانية، فتتمثل في الدور الجديد الموكول إلى قوات الأمن الإسبانية.

فمع انضمام جبل طارق إلى منطقة شنغن الأوروبية، سيتولى عناصر من الشرطة الوطنية والحرس المدني الإسباني مهام التحكم في الدخول والخروج من المنطقة، وتحديدا في مطار وميناء جبل طارق.

وبررت مدريد هذا الإجراء بضرورة “ضمان الأمن” وحماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، غير أن قراءة مغربية للمشهد قد ترى في هذا البند اعترافا أوروبيا بدور إسباني أمني على أرض تعتبر دوليا (مستعمرة بريطانية)، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول إمكانية تطبيق منطق مماثل على المدينتين المحتلتين سبتة ومليلية، اللتين تطالب بهما الرباط وتعتبرهما جزءاً من ترابها الوطني.

ومن بروكسل، كشف وزير الدولة الإسباني للاتحاد الأوروبي فرناندو سامبيدرو عن سباق دبلوماسي لبدء “التطبيق المؤقت” للاتفاق بحلول العاشر من أبريل المقبل. وأوضح سامبيدرو أن الحكومة الإسبانية تعمل على إنهاء الإجراءات الفنية لتفعيل الاتفاق، معربا عن تفاؤله بتحقيق هذا الموعد، لكنه استدرك بالقول إن إسبانيا لا تستطيع “ضمان” وتيرة عمل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، في إشارة إلى أن عملية التصديق النهائي تتطلب موافقة الدول السبع والعشرين والبرلمان الأوروبي.

ويأتي هذا بعد أن كانت المفوضية الأوروبية قد أحالت في فبراير الماضي النصوص القانونية النهائية للاتفاق إلى المجلس والبرلمان الأوروبيين، مع طلب الموافقة على التطبيق المؤقت لحين استكمال إجراءات التصديق الكامل.

وفي قراءة مغربية للمشهد، يثير الاتفاق الجديد اهتماما خاصا في الرباط لعدة اعتبارات. أولها، أن منطقة مضيق جبل طارق تشكل فضاء حيويا للمصالح الاقتصادية والأمنية المغربية، حيث تطل على موانئ مغربية عملاقة مثل طنجة المتوسط الذي يعتبر الأول في إفريقيا، وميناء الناظور غرب المتوسط، وأي تغيير في حركة البضائع أو التوازنات الاقتصادية في المنطقة، سواء عبر جبل طارق أو ميناء الجزيرة الخضراء الإسباني، سيكون له انعكاسات مباشرة على التدفقات التجارية المغربية.

ثانيها، أن الاتفاق يمنح إسبانيا دوراً أمنيا على أرض جبل طارق، وهو ما يقرأ في الرباط كمؤشر على مرونة أوروبية إزاء ترتيبات سيادية معقدة قد تشكل سابقة في ملفات أخرى.

وثالثها، الجدل الداخلي الإسباني نفسه، حيث عبرت أصوات معارضة (خاصة من حزب الشعب) عن قلقها من أن يشكل هذا النموذج من التعاون الأمني الوثيق مع بريطانيا في جبل طارق “سابقة خطيرة” يمكن أن يستند إليها المغرب مستقبلاً في أي مفاوضات حول وضع سبتة ومليلية.

غير أن اللافت في المشهد أن هذه التطورات الدبلوماسية والأمنية في جبل طارق تتزامن مع استمرار التعاون التقني بين المغرب وإسبانيا في مشاريع استراتيجية كبرى بنفس المنطقة. ففي أبريل 2025، وقع البلدان اتفاقيتين جديدتين لتطوير الدراسات الفنية والهندسية لمشروع النفق الرابط بين القارتين تحت مضيق جبل طارق، وهو المشروع الذي يظل حلما يراود الطرفين منذ عقود لربط أوروبا بإفريقيا عبر شريان بري تحت الماء.

هذا التعاون الموازي، يؤكد أن العلاقة بين الرباط ومدريد في منطقة المضيق متعددة الأبعاد، وأنه في الوقت الذي تتصدر فيه قضايا السيادة العناوين، هناك تعاون اقتصادي وتقني عميق يجري بهدوء.

وبين هذا وذاك، تبقى الرباط في وضع “المراقب الذكي” لهذا الملف الشائك، مستحضرة مصالحها الاقتصادية والأمنية في المضيق، ومستعدة لاستثمار أي تطورات في ملف المفاوضات الثنائية حول المدينتين المحتلتين، فجبل طارق اليوم قد يكون سبتة ومليلية غداً، وهذا ما يجعل الخبر ذا أهمية قصوى لدى الجانب المغربي.



Source link

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق