في تطور لافت يجدد النقاش حول حدود التأثير الرقمي ومسؤولية صناع المحتوى، وجّهت السلطات المغربية تهمًا ثقيلة لعدد من صناع المحتوى، من بينها الاتجار في البشر، وهي تهمة قد تصل عقوبتها إلى ثلاثين سنة.
الخطوة، التي أثارت موجة واسعة من ردود الفعل، اعتبرها حقوقيون ومحامون يتابعون الملف جزءًا من المسار القانوني لضبط المخالفات المرتبطة بالمحتوى الرقمي، خاصة في ظل تنامي تأثيره على فئات واسعة داخل المجتمع، وفي مقدمتها الشباب والأطفال، باعتبارهم الفئة الأكثر هشاشة أمام خطاب غير مسؤول أو سلوكيات قد تُقدم في قالب ترفيهي.
وفي حديث لجريدة “مدار21” الإلكترونية، يرى الباحث في علم الاجتماع عثمان أمين، أن القضية ليست مجرد ملف قضائي معزول، بل تحذير اجتماعي بالغ الأهمية يعكس الانزياحات الخطيرة التي يمكن أن تحدث في فضاء التأثير الرقمي إذا ترك دون مراقبة، مؤكدا أن توقيف المعنيين يشكل خطوة إيجابية لحماية الشباب من القدوة السيئة، وللتأكيد على أن المجتمع لا يمكنه التسامح مع أي استغلال للسلطة الرمزية الرقمية في اتجاهات ضارة، وأن هذه الرسالة ضرورية لضبط السلوكيات التي تبث عبر المنصات.
ويضيف الباحث أن تأثير صناع المحتوى على السلوكيات والقيم بات أقوى من أي وقت مضى، إذ أصبح كثير من المتابعين يلتقطون أنماطًا جاهزة من تصرفات مؤثريهم المفضلين، مشيرا إلى أن الانخراط في محتوى مسيء أو غير أخلاقي قد يقود إلى تقليد سلوكات خطرة أو مرفوضة اجتماعيًا، مما يجعل تدخل السلطات خطوة وقائية ضرورية لحماية النسيج الاجتماعي وتعزيز الوعي بالقيم الأخلاقية داخل الفضاء الرقمي، الذي صار امتدادًا مباشرًا للحياة اليومية.
وفي قراءته للمشهد الرقمي، يعتبر أمين أن هذا الحدث يفتح أيضًا الباب أمام إعادة تشكيل المشهد الرقمي بشكل مسؤول، من خلال اعتماد برامج تأهيل وتوعية موجهة لصناع المحتوى أنفسهم، موضحا أن إدماج برامج تكوين حول أخلاقيات الإعلام والمسؤولية الرقمية يمكن أن يحول خبرة المخالفين، بدل إقصائها، إلى قيمة مضافة تخدم المجتمع، وأن الممارسات التي تثير الجدل اليوم يمكن أن تتحول، بعد التأهيل، إلى فرصة لتصحيح المسارات وإنتاج محتوى أكثر نفعًا وتأثيرًا.
كما يلفت الباحث إلى أهمية توسيع آليات الوقاية نحو المؤسسات التعليمية، عبر تعزيز مناهج التحليل النقدي للمحتوى الرقمي في المدارس والجامعات، مبرزا أن تمكين الشباب من مهارات التمييز بين القدوة الإيجابية والمحتوى المضر سيحدّ من تأثير أي انحراف رقمي مستقبلي، ويسهم في بناء جيل واعٍ قادر على استخدام المنصات الرقمية بذكاء ومسؤولية، وعلى اختيار نماذج يحتذى بها بدل الانسياق وراء المحتوى السطحي أو الخطير.
وفي ختام تصريحه للجريدة، دعا أمين إلى تعزيز البيئة الرقمية المغربية من خلال شراكات بين الدولة والمنصات الكبرى لضمان منظومة رصد ومراقبة فعالة، تشمل الإنذار المبكر والتوجيه التربوي، معتبرًا أن توقيف صناع المحتوى المسيئين يجب ألا يُقرأ فقط كإجراء عقابي، بل كفرصة لإعادة ترتيب الأولويات داخل الفضاء الرقمي، “هذا المسار، يمكن تحويل التحديات الراهنة إلى أدوات لتعزيز القيم المجتمعية وحماية الفئات الشابة من الانزلاق نحو السلوكيات الضارة التي قد تغلف في محتوى ترفيهي أو دعائي”.
