اختتمت، اليوم الثلاثاء بالدار البيضاء، أشغال الندوة الدولية حول موضوع “هويات غير متجسدة: الجسد، الواقع الافتراضي وإعادة بناء الذات”، بمجموعة من النقاشات المكثفة حول تحولات الهوية في العصر الرقمي.
وشكل اليوم الثاني من الندوة، التي جمعت أزيد من أربعين باحثا من جامعات من إفريقيا وأوروبا وأميركا اللاتينية، فرصة لاستكشاف أعمق للرهانات السياسية والفنية والتواصلية والأخلاقية المحيطة بالهويات الافتراضية.
وفي هذا السياق، أكد عبد الهادي صمدي، أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بن مسيك ومنسق الندوة، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن هذا الحدث “يهدف إلى فهم التحديات الجديدة التي تطرحها الهويات الافتراضية ومناقشة وجهات نظر الباحثين في مجالات مختلفة منها العلوم الإنسانية والفنون والتكنولوجيا”، مضيفا أن هذا اليوم الثاني، الذي تميز بخمس جلسات غنية ومتكاملة، “قدم رؤية شاملة تسمح بفهم أفضل للتعقيدات المرتبطة بالهويات المعاصرة”.
وافتتحت أشغال اليوم الثاني بجلسة مخصصة لموضوع “وسائل التواصل الاجتماعي، السياسة والتواصل”، أدارتها الباحثة لورانس ألارد، وركزت على الاستخدامات السياسية والهوياتية للمنصات الرقمية.
وتناول الباحثون، خلال مداخلاتهم، أشكال التنشئة السياسية الجديدة عبر منصة “تيك توك”، وتحولات بناء الهوية في المغرب ما بين سنتي 2015 و2025، وتأثير تكنولوجيات الإعلام على عملية التنشئة الاجتماعية للأطفال.
وتناولت المداخلات الأخرى التحديات الناتجة عن الصراعات السيبرانية وإعادة تشكيل الهوية الطلابية من خلال رقمنة التعليم العالي.
وقد مت جلسة “البحث والإبداع والتجريب الفني”، التي أدارها مارك فيرات، العديد من المشاريع المبتكرة التي تستكشف الحدود بين أصالة الذات وزيفها. وقد حظي مشروع “كيلي نويد” تحديدا باهتمام واسع لنهجه الذي يجمع بين البيانات الحيوية والذكاء الاصطناعي لإنشاء كيان هجين يجمع بين الصورة الرمزية والنسخة الافتراضية.
كما ناقش المشاركون في هذه الجلسة دور الذكاء الاصطناعي في تطور الإبداع والذاتية الفنية.
وتناولت الجلسة الثالثة، التي أدارتها نادية أوشن، موضوع “الإشهار، الصورة والهويات المعروضة”، حيث تمت مناقشة تمثلات الذات في الفضاءات الإعلامية والتجارية، واستعمال الذكاء الاصطناعي التوليدي في إنتاج صور فائقة الواقعية، إلى جانب ظاهرة “العلامة الشخصية” كرافعة لقابلية التشغيل، وتحولات الهوية المهنية في السياق الرقمي.
أما الجلسة الرابعة، التي تمحور حول “المؤسسات، الأخلاق والتواصل التنظيمي”، والتي أطرها عبد الهادي صمدي، فقد خصصت لموضوع المسؤولية والأخلاقيات في التواصل الرقمي. وأكد الباحثون خلالها على ضرورة التوفيق بين القيم المعلنة والممارسات الفعلية، داعين إلى تعزيز اليقظة أمام مخاطر المراقبة والتلاعب واستغلال المعطيات الشخصية.
واختتمت أشغال الندوة بجلسة حول “الفنون والثقافات والذاكرة الهوياتية”، التي أدارتها لطيفة أيوبي. وتميزت هذه الجلسة بمناقشات حول الأبعاد الثقافية والرمزية للنزعة التجريدية. واستكشف المتدخلون ممارسات الهوية في عالم الميتافيرس، والذاكرة المتجسدة في الفضاءات الرقمية المغربية، وتمثيل الهويات غير النمطية على منصات البث.
وكشفت المناقشات عن عدة مواضيع متقاطعة، تهم على الخصوص، السعي إلى التفرد في عالم الأداء الخوارزمي، وإعادة إنتاج التفاوتات الاجتماعية في الفضاءات الافتراضية.
وشكلت هذه الندوة، المنظمة من طرف مختبر “لوغوس/ LOGOS” بشراكة مع جامعة باريس 8، وجامعة سافوا مون بلان، ومؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود، في إطار الدورة الحادية والثلاثين من المهرجان الدولي لفن الفيديو (من 10 إلى 15 نونبر)، فرصة لاستكشاف التحولات الراهنة التي تمس الهوية الإنسانية في ظل الرقمنة، من خلال مقاربة متعددة التخصصات تجمع بين الفلسفة وعلم الاجتماع والفنون والتواصل وعلم النفس والعلوم الإنسانية الرقمية.
ويواصل المهرجان الدولي لفن الفيديو، الذي انطلق سنة 1993، ترسيخ مكانته كفضاء مرجعي يجمع بين الإبداع الشبابي والبحث العلمي، ويواكب التحولات المتسارعة في الفنون الرقمية، في انسجام تام مع الاستراتيجية الثقافية والعلمية لجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، الهادفة إلى دعم الابتكار والحوار بين الثقافات.

