المغرب نيوز

الأمن المائي يتجاوز السدود والبحث العلمي مفتاح المغرب للتكيف

الأمن المائي يتجاوز السدود والبحث العلمي مفتاح المغرب للتكيف


أكد الأستاذ الجامعي سلاك بوعزة، الباحث المتخصص في مجال المناخ والمخاطر الهيدرولوجية، أن موضوع تدبير الموارد المائية في المغرب “هو موضوع الساعة بامتياز”، نظرا لارتباطه المباشر بقضايا المجتمع والاقتصاد والبيئة والتنمية، معتبرا أن المملكة راكمت تجربة رائدة على مستوى حوض البحر الأبيض المتوسط في هذا المجال، تمتد جذورها إلى ما قبل فترة الحماية.

وأوضح بوعزة أن المغرب طور منذ قرون أنظمة هيدرولوجية تقليدية متقدمة لتدبير الندرة والفائض وتوزيع المياه، من قبيل نظام الخطارات، والناعورات، وهي نماذج تعكس وعيا تاريخيا بأهمية حسن استغلال الموارد المائية، مضيفا أن مرحلة ما بعد الاستقلال عرفت تحولا استراتيجيا مع إطلاق سياسة السدود في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، في إطار خيار الإعداد الهيدروفلاحي الذي تبناه المغرب كركيزة اقتصادية وتنموية.

وأشار الباحث إلى أن الهدف الأساسي من بناء السدود في بداياته كان تزويد الدوائر السقوية الكبرى والمتوسطة بالمياه، وهو ما أفضى إلى إحداث عشر دوائر سقوية ساهمت في دعم الاقتصاد الوطني عبر خلق فرص الشغل، وتنويع الإنتاج الفلاحي، وتعزيز القيمة المضافة للقطاع الزراعي، مبرزا أن أدوار السدود لم تعد مقتصرة على السقي، بل اتسعت لتشمل إنتاج الطاقة الكهرومائية، وتوفير الماء الشروب، والحماية من الفيضانات، بما يخفف الضغط على ميزانيات الجماعات الترابية ويحد من الخسائر الاقتصادية.

وشدد بوعزة، في حوار مع جريدة “مدار21” الإلكترونية، على أن إنجاز السدود يخضع لمحددات طوبوغرافية ومناخية وهيدرولوجية دقيقة، موضحا أن بناء سد كبير أو متوسط يتطلب دراسات تمتد أحيانا لأكثر من ستين سنة من المعطيات الهيدرولوجية، ما يجعل اختيار المواقع عملية علمية تستند إلى طبيعة التساقطات والواردات المائية والخصائص الجيومورفولوجية للأحواض.

وفي سياق التغيرات المناخية، اعتبر المتحدث أن المغرب انتقل من سياسة السدود إلى مقاربة شمولية أكثر اتساعا، تشمل تحلية مياه البحر، ومعالجة المياه العادمة وإعادة استعمالها، إضافة إلى تحيين الإطار القانوني المنظم للقطاع، خاصة قانون الماء، وتعزيز دور وكالات الأحواض المائية في التدبير الترابي لهذا المورد الحيوي، مؤكدا أن هذه المقاربة تروم تخفيف الضغط على الموارد الطبيعية في ظل الإجهاد المائي وتزايد الظواهر المناخية القصوى، سواء تعلق الأمر بالفيضانات أو موجات الجفاف.

وسجل بوعزة أن التجربة المغربية خلال سبع سنوات متتالية من الجفاف أظهرت قدرة على الصمود بفضل تنويع مصادر التزود بالماء وتدبير المخزون الاستراتيجي، كما أبرزت فعالية المقاربة الوقائية في مواجهة الفيضانات، من خلال عمليات إجلاء واسعة للسكان دون تسجيل خسائر بشرية، معتبرا أن ذلك يعكس نجاعة التخطيط الاستباقي وتعزيز البنيات التحتية.

وأكد الباحث أن الأمن المائي لم يعد رهينا ببناء السدود فقط، بل يتطلب أيضا صيانة المنشآت من التوحل والحد من التبخر، وتهيئة أعالي الأحواض المائية لحمايتها من التعرية وانجراف التربة، إضافة إلى تسريع الربط المائي بين الأحواض التي تعرف فائضا في الموارد، خاصة في المناطق ذات المناخ شبه الرطب والرطب، وتلك التي تعاني خصاصا هيكليا في المياه.

كما دعا إلى تجهيز الأحواض الصغرى والمتوسطة بمحطات للرصد الهيدرومتري والمناخي، لما لذلك من أهمية في تتبع الصبيب والتساقطات بشكل لحظي، وتمكين الباحثين ومكاتب الدراسات والمؤسسات من معطيات دقيقة تساعد على اتخاذ قرارات مبنية على أسس علمية، سواء في تدبير المخزون أو في الوقاية من المخاطر المرتبطة بالتغيرات المناخية.

وفي ما يتعلق بدور الجامعة، شدد بوعزة على أنه “لا تنمية بدون بحث علمي”، معتبرا أن تحديث الدراسات الهيدرولوجية وتحيينها ضرورة ملحة في ظل ما وصفه بـ”المناخ الجديد” الذي يطبع منطقة البحر الأبيض المتوسط، حيث تتزايد حدة الظواهر القصوى من موجات حر وتساقطات مركزة، موضحا أن البحث العلمي مطالب بتطوير حلول مبتكرة لتقليص التبخر، والحد من توحل السدود، وتطوير أصناف زراعية أكثر تأقلما مع الجفاف، إضافة إلى تعزيز أدوات التوقع والإنذار المبكر.

وختم الباحث المتخصص في المناخ والمخاطر الهيدرولوجية تصريحه بالتأكيد على أن بناء ثقافة مائية جديدة لدى الساكنة يظل رهانا موازيا للسياسات العمومية، من خلال تعزيز الوعي بخصائص المناخ المتغير، وترسيخ سلوكيات عقلانية في الاستهلاك، بما يضمن تضافر جهود الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمواطنين في حماية مورد استراتيجي يشكل أساس التنمية والاستقرار.



Source link

Exit mobile version