لم تعد أصوات غضب “جيلz” مقتصرة على الشارع أو على صفحات التواصل الاجتماعي، بل وجدت طريقها هذه المرة إلى مدرجات الملاعب. فخلال الأيام الأخيرة، التحقت جمعيات مشجعي الأندية الوطنية والفصائل الداعمة للمنتخب المغربي بركب الشباب المحتج، لتعلن بدورها تعليق أنشطتها الكروية والرياضية والانخراط في موجة المطالب الداعية إلى إصلاح قطاعي الصحة والتعليم، باعتبارهما عصب الحياة اليومية للمغاربة.
وخرجت جمعية “روسو فيردي”، المعروفة بمؤازرتها للمنتخبات الوطنية، لتكشف عن قرارها الغياب عن المباراتين المقبلتين للمنتخب المغربي أمام كل من الكونغو والبحرين. وقد أوضحت أن هذا الموقف جاء منسجما مع قناعة راسخة لديها بأن دورها لا ينبغي أن يقتصر على التشجيع في المدرجات، وإنما يمتد أيضا إلى التعبير عن الارتباط بقضايا المجتمع.
وأكدت في بلاغها: “إن حُبنا للمنتخب الوطني ثابت لا يتغير، غير أن الظروف الراهنة وما تحمله من صعوبات فرضت علينا التوقف مؤقتا عن الحضور، انسجاما مع المطالب المشروعة للشباب المغربي المتعلقة بالصحة والتعليم”.
الخطوة نفسها اتخذها فصيل “شارك” المساند لأولمبيك آسفي، حيث أعلن بدوره مقاطعة مباراة فريقه المقررة يوم الأربعاء بملعب المسيرة/ وعلّق قائلا: “لا يمكن لطبولنا أن تُقرع فيما كرامة المواطن تُدهس في الشارع العام وهو يرفع صوته مطالبا بحقوقه الأساسية المقاطعة هي أقل ما يمكن فعله اليوم إقرارا بالمسؤولية وتضامنا مع الغاضبين”.
وفي تصريح لـ “الصحيفة” قال مراد وهو أحد الوجوه البارزة داخل الفصيل، أن المدرجات لم تكن يوما فضاء منفصلا عن نبض الشارع لهذا “نحن لسنا مجرد جمهور يصفق للأهداف وينسى واقعه عند نهاية المباراة نحن أبناء الأحياء الشعبية نحمل على أكتافنا نفس الهموم التي يئن تحتها كل مواطن أي بطالة تقصم الظهر، مستشفيات تفتقر لأبسط شروط العلاج، وأقسام مدرسية مكتظة لا تفتح أمام الشباب أي أفق”.
ومن هذا المنطلق يضيف مراد، حين يصرخ الشارع “لا تعليم لا تطبيب، نصرخ نحن أيضا، لأننا نعيش نفس الألم وصمتنا في الملعب سيكون خيانة لضمائرنا، وكأننا نقول إن كرامة الناس أقل شأنا من تسعين دقيقة لعب و المدرجات اليوم امتداد للشارع، وصوتنا جزء من هذه الحركة الاجتماعية التي لم يعد ممكنا تجاهلها”.
وفي الدار البيضاء، لم يفوّت فصيل “الوينرز” المساند للوداد الرياضي الفرصة ليُعبّر من مدرجات ملعب محمد الخامس عن موقفه من الأزمة الاجتماعية، فخلال مباراة فريقه أمام نهضة الزمامرة يوم الأحد، رفع لافتة أثارت الانتباه كتب عليها: “لا تعليم لا تطبيب ويحسن عوان الجيب” وهي اللافتة التي لقيت تفاعلا واسعا داخل وخارج الملعب، ورآها كثيرون اختزالا مكثفا لمطالب الشارع المغربي في هذه اللحظة.
ولم يكن النادي القنيطري بعيدا عن هذا المزاج، إذ استغل أنصاره المواجهة التي جمعت فريقهم برجاء بني ملال في اليوم ذاته للتطرق إلى نفس النقاش ورفعوا بدورهم شعارات ولافتات تنتقد أوضاع المنظومة الصحية الوطنية، معتبرين أنها ظلت جامدة لسنوات طويلة ولم تُحقق أي قفزة نوعية باتجاه الأفضل.
وهذا الانخراط اللافت من جانب الجماهير الكروية يعكس تحوّلا واضحا في دورها، إذ لم يعد يقتصر على الدعم الرياضي، بل صار منخرطا في قضايا المجتمع الأساسية، فالملاعب التي اشتهرت بالهتاف والفرجة أضحت بدورها منصات للتعبير عن السخط الاجتماعي، في انسجام مع موجة احتجاجات يقودها شباب يطالبون بإصلاحات في التعليم والصحة، ويوجّهون نقدا شديدا للحكومة، معتبرين أن مخططاتها المعلنة لم تُترجم إلى إنجازات ملموسة على الأرض.
وتأتي هذه التطورات في ظرف خاص، حيث يستعد المغرب لاحتضان نهائيات كأس أمم إفريقيا المقررة ما بين 21 دجنبر و18 يناير المقبلين، بعد استثمارات مالية كبيرة وُجّهت للبنيات التحتية الرياضية، ومن أبرزها إعادة افتتاح المركب الرياضي الأمير مولاي عبد الله بالعاصمة الرباط. غير أن هذا التركيز على الملاعب الضخمة يقابله إحساس متزايد لدى شريحة واسعة من الشباب بأن الأولويات مقلوبة الملاعب تُشيّد بأحدث المواصفات بينما المستشفيات العمومية والأقسام الدراسية تعاني أوضاعاً متدهورة.
ويشكل ما يحدث لحظة فارقة توضح أن كرة القدم، التي اعتُبرت لعقود ملاذاً للفرح الشعبي، لم تعد بمنأى عن نبض الشارع حين يختار مشجعو الأندية والمنتخب الوطني التوقف عن التشجيع والانسحاب من المباريات، فذلك مؤشر على عمق الأزمة، ورسالة صريحة بأن المطالب الاجتماعية لم تعد قابلة للتجاهل وكل ذلك في ظل استمرار صمت الحكومة، إذ يبدو أن غضب الشباب الذي اخترق الملاعب والشارع معا قد يتحول إلى أزمة وطنية مفتوحة على كل الاحتمالات.
