المغرب نيوز

الانتقال من سرد جهود مكافحة الفساد لقياس أثرها ضرورة وطنية

الانتقال من سرد جهود مكافحة الفساد لقياس أثرها ضرورة وطنية


أكد رئيس لهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها أن المغرب يتجه إلى مرحلة جديدة من مراحل التفكير العمومي حول النزاهة ومكافحة الفساد، مرحلة تتجاوز بداهة القول بأن لدينا سياسات نحو سؤال أكثر تعقيدا وأعمق مسؤولية “ماذا أحدثت هذه السياسات في المجتمع؟ وما الأثر الحقيقي الذي صنعته؟”.

وقال بنعليلو، صباح اليوم الإثنين خلال لقاء الدراسي حول تقييم أثر سياسات مكافحة الفساد، انتقال إن المملكة راكمت إصلاحات ومبادرات متعددة في مجال النزاهة، مشددا على أن الزمن السياسي والمؤسساتي اليوم يفرض علينا أن ننتقل من رصد الجهود إلى قياس النتائج، ومن الحديث عن البرامج إلى مساءلة أثرها، ومن التركيز على “ما قمنا به” إلى التركيز على “ما تغير فعلا في الواقع”.

وشدد على أن طرح مشروع دليل وطني لتقييم الأثر على طاولة الحوار العمومي “في جوهره رغبة جادة للقطع مع هذه المقاربات الانطباعية، ولتأسيس ثقافة جديدة قوامها الحساب الممنهج والتقييم الموضوعي المبني على الأدلة”.

وأكد أنه “لم يعد مقبولا اليوم أن تختزل فعالية السياسات العمومية في عدد التقارير أو حجم النفقات أو نسب الإنجاز، بعدما أثبتت التجارب أن هذه المقاربة كثيرا ما تنتج قراءات شكلية ونتائج منفوخة وسرديات مؤسساتية مريحة، لكنها في الغالب بعيدة كل البعد عن واقع المواطن”، مضيفا أنه “تقديرات أقل ما يمكن أن يقال في شأنها أنها قد تمنح وهما بالنجاعة، لكنها في نهاية المطاف تفتح الباب أمام سيل من المزايدات”.

وأبرز أنه في زمن تتسارع فيه التحولات الاجتماعية والمؤسساتية، لم يعد يكفي أن ننجز أو ننفذ، بل أصبح لزاما علينا أن نقيس، وأن نشرح، وأن نثبت للمواطن أن الموارد العمومية تترجم إلى نتائج ملموسة في حياته اليومية”، مسترسلا “”أصبح لزاما علينا أن ننخرط في منظور جديد للحكامة العمومية قائم على أن القيمة لا توجد في حجم التدخل، بل في أثره على حياة المواطن، وفيما يضيفه إلى الثقة العامة، وفي قدرته على تغيير السلوكيات وتقليص الكلفة الخفية للفساد”.

وكشف أننا “نريد من مشروع الدليل الذي نطرحه للنقاش اليوم أن يشكل قطيعة مع النمط التقليدي في التقييم، وأن يؤسس لمنهجية متقدمة تجعل الأثر الحقيقي وحده معيارا للنجاح”، مردفا أن “الأثر ليس رقما يدون في التقارير الوصفية، بل هو تحول في السلوك، وتغيير في الممارسات، وانخفاض في كلفة الفساد، وارتفاع في منسوب الثقة العامة، وتحسين في جودة الخدمات العمومية”.

ويرى بنعليلو أن “الانتقال نحو تقييم الأثر هو إعلان عن نقلة منهجية تنتقل بنا من منطق التدبير الذي يحاسبنا على ما قمنا به من خطوات، إلى ما أحدثناه من تغيير”، مشيرا إلى أنه “انتقال من مقاربة تثمن الكم إلى مقاربة تثمن القيمة، ومن سياسة تستعرض ما ينجز إلى سياسة تسائل ما ينفع الناس”.

وأوضح أن مشروع الدليل العلمي لتقييم أثر سياسات مكافحة الفساد هو ثمرة شراكة بناءة بين الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها ومجلس أوروبا، باعتباره أول مرجع وطني متكامل في هذا المجال.

وأبرز أن إعداد مشروع هذا الدليل جاء برؤية متقدمة تستند إلى مفاهيم حديثة، مثل نظرية التغيير، وسلاسل القيم والنتائج، والتمييز بين التتبع الإداري والتقييم الفعلي للأثر، والتقويم المبني على الأدلة، والاستعمال المهني للمعطيات والمنصات الرقمية، مؤكدا أن “هذا يجعل منه مشروعا ببعد استراتيجي، يسعى إلى مراقبة السياسات عبر تفكيك منطقها الداخلي: كيف تتشكل؟ كيف تعمل؟ أين تتوقف؟ وكيف يمكن إعادة بنائها لضمان أثر واضح ومقنع وقابل للقياس؟”.

وذكر بأن المغرب قطع، بتوجيهات ملكية سامية، خطوات مهمة في بناء منظومة وطنية للنزاهة، مستطردا بأن “تعزيز هذه المكتسبات يتطلب الارتقاء بآليات التقييم إلى مستوى استراتيجي متقدم، يجعل من المعطيات مؤشرا موجها للقرار العمومي، ومن الأثر معيارا أصيلا للحكم على جدوى السياسات العمومية”.

بدورها، أكدت كارمن مورتي غوميز، رئيسة مكتب مجلس أوروبا بالرباط، أن المغرب يوجد اليوم في مرحلة مفصلية على درب ترسيخ النزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة، مشيرة إلى أن المملكة تتجه نحو إرساء منهجية وطنية متينة لتقييم أثر سياسات مكافحة الفساد، وهي خطوة تعتبرها “حاسمة لاستعادة ثقة المواطن”.

وشددت مورتي غوميز خلال افتتاح اللقاء الدراسي حول تقييم أثر مكافحة الفساد، المنظم بسلا يومي 24 و25 نونبر الجاري، على أن الشراكة بين المغرب ومجلس أوروبا وصلت إلى مستوى يسمح بالانتقال من تبادل الخبرات إلى بناء آليات مستدامة داخل المؤسسات المغربية.

وأبرزت في كلمتها أن مجلس أوروبا “على أتم الاستعداد لتعميق هذا المسار خلال المرحلة المقبلة” في إطار شراكة الجوار 2022-2025 التي ستمدد للفترة 2026-2029.

وأوضحت المتحدثة أن مجلس أوروبا سيكون “فخورا بمرافقة المغرب” متى قرر التقدم نحو تقارب أكبر مع اتفاقيات وآليات المجلس في مجال مكافحة الفساد.

وتأتي هذه الإشارة في سياق دينامية إصلاحية وطنية، تقودها الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، التي تعتبرها رئيسة مكتب مجلس أوروبا بالرباط “شريكا موثوقا يلتزم بوضوح بتطوير أدوات تقييم موضوعية لأثر السياسات العمومية”.

وشددت المسؤولة الأوروبية على أن التحدي المطروح اليوم لم يعد يقتصر على وضع استراتيجيات لمحاربة الفساد، بل أصبح يتعلق أساسا بقياس أثرها الفعلي على الأرض، ومعرفة ما ينجح وما يحتاج إلى تعديل، وقالت إن “التقييم الصارم والتجريبي للسياسات العمومية أصبح جزءا لا يتجزأ من بناء الثقة بين المواطن والدولة”.

ويشكل اللقاء، بحسب مورتي غوميز، بداية لمسار وطني طويل المدى، سيتم خلاله الاشتغال على تطوير منهجية علمية للتقييم، مستندة إلى أفضل التجارب الدولية.

وقالت إن “الانتقال من الإطار المعياري إلى التطبيق العملي، وهو ما يجمعنا اليوم بالأساس، يسعدنا أن نستقبل سيلفيو بوبا وزوراب سانيكيدزه، وهما خبيران دوليان لدى مجلس أوروبا ومسؤولان بارزان في بلديهما، لأن خبرتهما المقارنة، إلى جانب خبراتكم الوطنية، ستشكّل قيمة مضافة حقيقية تسمح بالتقدم نحو منهجية ملائمة للسياق المغربي.

وبيّنت أن هذا الحدث يهدف إلى إطلاق هذا المسار، والذي ستتلوه خلال الأشهر المقبلة مراحل أخرى من الدعم؛ سيتم تحديدها بشكل مشترك، للتقدم نحو منهجية وطنية متينة وفعّالة ودائمة لتقييم أثر سياسات مكافحة الفساد.



Source link

Exit mobile version