كشف البشير الدخيل، أحد مؤسسي جبهة البوليساريو الانفصالية العائدين إلى المغربي في تسعينات القرن الماضي، عن معطيات دقيقة حول نشأة الجبهة، وتورط الجزائر في تحويلها عن مسارها الأصلي، مؤكدا أن أصل النضال كان ضد الاستعمار الإسباني وليس ضد المغرب، مشيدا بقرار مجلس الأمن الأخير، الذي انتصر للمغرب ولوحدته الترابية.
وعاد البشير الدخيل، في كلمة خلال ندوة وطنية حول قرار مجلس الأمن حول قضية الصحراء المغربية وتداعياته، نظمتها جامعة شعيب الدكالي بالجديدة، بشراكة مع المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير، بذاكرته إلى سبعينات القرن الماضي، عندما ساهم في تأسيس حركة ضد الاستعمار الإسباني، وقال: “كنت من الشباب الذين ذهبوا من العيون والسمارة في 28 يناير 1973 إلى موريتانيا لنؤسس حركة مسلحة ضد الاستعمار الإسباني، وبعد ذلك أصبحت رئيس اللجنة العسكرية التي تقاوم الإسبان، وكان تحت إمرتي 450 محاربا”.
وأضاف أن “هذه الجماعة التي ذهبت تحت النفوذ الإسباني لم يهتم بها في التاريخ، فقط من أتوا وولدوا في المغرب وآباؤهم من العسكريين المغاربة أصبحوا من أسسوا البوليساريو ونحن لم نقم بشيء”، مشددا على أن “هذا خطأ وتزوير للتاريخ، لأني أنا من أطلق اسم “فرينتي بوليساريو”، ونستحق على الأقل أن يعتبرونا مجاهدين، أن يعترفوا بأننا جاهدنا ضد الاستعمار”.
وأكد الدخيل أن تسمية الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب لا وجود فيها لكلمة الصحراء الغربية أو استغلال لها، فقد كنا شبابا صغارا وناضلنا ضد الاستعمار، وكنا متأثرين بالتيارات اليسارية بالخصوص في إسبانيا، وكنا نحارب من أجل إجلاء الاستعمار ‘الفرنكوي’ في الساقية الحمراء ووادي الذهب ولم نقل يوما الصحراء الغربية”.
وكشف القيادي السابق في جبهة “البوليساريو” أن “أول دولة دعمتنا كانت ليبيا وساندتنا بالسلاح، وبعدها دخلت الجزائر في أواخر غشت 1974 بعد المؤتمر الثاني للجبهة، وقامت بإنزال داخل قيادة الحركة وأبعدت القادمين من الصحراء المغربية، وأنا أولهم، ففي سنة 1975 كنت في السجن، وبسبب المسيرة الخضراء خرجت.”
واسترسل في السياق ذاته “الجزائر أزاحتنا، لتؤسس بوليساريو ثانية ‘BIS’، والتي تحرك من طرفها، ومعظم من سجن في البوليساريو كانوا منحدرين من الساقية الحمراء”، مضياف “الجزائر أنشأت تنظيما آخر، وحتى الإسبان كتبوا آنذاك أنهم لا يعرفون أين تبدأ البوليساريو وأين تنتهي الجزائر، أو أين تبدأ الجزائر وتنتهي البوليساريو”.
وأوضح المتحدث ذاته أن من بين المشاكل في ملف الصحراء المغربية هو إشكال السكان الأصليين، مؤكدا أنه “مشكل يعني الأمم المتحدة، وحسب إحصاء الأمم المتحدة فإن 71 بالمئة من ساكنة الصحراء يوجدون في المغرب، وهنا يطرح إشكال التمثيل، من يمثل من؟ من يمثلنا نحن الصحراويين؟ هل هي البوليساريو؟ إنها حركة لا نعرف هل هي موجودة؟”.
وعاد البشير الدخيل إلى السياق الذي استغلته الجزائر لحشد الدعم للمشروع الانفصالي قائلا: “سنة 1975 تحررت معظم الدول الإفريقية من الاستعمار، وكانت تسير بنظام الحزب الواحد، وتابعة للجزائر، والمغرب كان في وضعية خطيرة، لأنه على المستوى الداخلي كانت معارضة قوية من اليسار، لذلك دول الحزب الواحد أيدت الجزائر واعترفت بجمهورية غير موجودة”.
وأشار إلى أن البوليساريو والجزائر دعت إلى “تحديد الهوية، أي من له حق التصويت في الاستفتاء”، مؤكدا أنه في مثل هذه النزاعات لا يمكن للاستفتاء أن يكون حلا، لأن الخاسر (وكانت البوليساريو)، هل سنرميه في البحر؟ ثانيا أن الأمم المتحدة لم يسبق لها أن حلت ملفا عالقا في العالم”.
وبخصوص مخيمات تندوف، بيّن القيادي السابق بجبهة البوليساريو أنها بينت سنة 1974 قبل المسيرة الخضراء، “لأن الخطة كانت جذب السكان من العيون والداخلة والسمارة تجاه الجزائر، لأنه بدون تلك المخيمات لا وجود للبوليساريو”.
وأضاف الجزائر والبوليساريو قاما بالتلاعب وخداع المنتظم الدولي، إذ “جيء بـ18 ألف شخص من موريتانيا سنة 1976، إضافة إلى كل من ينتمي لقبيلة معينة، سواء كان موريتانيا أو جزائريا أو تونسيا، لخلق مخيمات تندوف”، مشددا على أن “أخطر شيء كان هو تدخل الجزائر لأنها أرست نظاما استبداديا في المخيمات، وكنت أُعتبر مؤيدا للمغرب”.
واستحضر البشير الدخيل لقاء جمع بعض قياديي البوليساريو بالملك الراحل الحسن الثاني قائلا: “في لقاء قامت به مجموعة من البوليساريو مع الملك الحسن الثاني في بنجرير ضواحي مراكش، وكنت ضمن تلك اللجنة، قلت لهم يجب أن نتفاهم مع الحسن الثاني وننهي هذا الموضوع أحسن، وكلنهم تسمكوا بالاستفتاء”، مشددا على أن “عودتي للمغرب سنة 1992 لم تكن مقابل شيك على بياض، لكن لأني اقتنعت بأن موقف المغرب هو السليم، وكل القبائل في الصحراء هي متشذرة داخل المغرب”.
وأضاف موضحا “يجب العودة إلى التاريخ، وتاريخ الصحراء لم يبدأ في 1975، الصحراويون كانوا في جيش التحرير سنة 1958، وأخي شارك معي في تأسيس البوليساريو، عند سماعه عن حرب الرمال هرب إلى إسبانيا وشارك في حرب الرمال من الجانب المغربي، وكان من الفرقة التي أمسكت الرئيس المصري في مروحية، والتاريخ واضح لمن يريد أن يرى”.
وتعليقا على قرار مجلس الأمن الأخير، أكد البشير الدخيل أنه “قرار مجلس الأمن 2797 كرس المجهودات الكبيرة التي قام بها المغرب في هذه القضية، وهو اعتراف رسمي بمغربية الصحراء، اعتراف بأن الحل الوحيد الممكن هو الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية”.
بيد أنه أكد أن الأهم الآن حول الحكم الذاتي هو “ما هو العمل وكيف؟ هل سينفذ قرار مجلس الأمن؟ ولماذا ليس لدينا أحزاب جهوية في الصحراء؟”، مبيّنا أن “هناك دول متقدمة لديها نوع من الحكم الذاتي بشكل أو بآخر، إسبانيا لديها 17 منطقة بها الحكم الذاتي، إيطاليا وألمانيا أيضا، وحتى فرنسا فلديهم الأقاليم، وأمريكا لديها 51 أو 52 ولاية”.
وشدد الدخيل على أن المغرب “لديه اليوم شرعية دولية في الصحراء، وهذا أمر مهم كثيرا، ويبقى الآن السؤال كيف يمكن تحقيق الانتصار الكلي؟ وعليه عليه الارتكاز على سياسية واقعية براغماتية”.

