


رغم الحضور اللافت للنساء في المشهد الإعلامي المغربي خلال السنوات الأخيرة، سواء على مستوى التقديم أو الإنتاج أو التغطيات الميدانية، فإن هذا الحضور لا يوازيه بالضرورة نفوذ مماثل داخل دوائر القرار التحريري. فبين التمثيلية الرقمية والمشاركة الفعلية في صناعة القرار، تتسع فجوة تطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة البنية الإعلامية، وحدود التمكين المهني، ومدى تحول المؤسسات الإعلامية إلى فضاءات منصفة وعادلة.
في هذا السياق، تظل التعددية داخل غرف الأخبار إشكالًا بنيويًا مطروحًا، خاصة في ما يتعلق بحضور النساء في مواقع القرار التحريري، وانعكاس ذلك على أجندة التغطية وصورة المرأة في المحتوى الإعلامي. فالمسألة، كما تكشف شهادات مهنيات وباحثين، لا ترتبط فقط بالأرقام أو بالتمثيل الشكلي، بل ببنية السلطة داخل المؤسسات الإعلامية، وبالذهنية والثقافة المهنية التي تؤطر العمل الصحفي.
حضور ظرفي بلا سياسة تحريرية
تُجمع قراءات مهنية على أن حضور قضايا المرأة والنوع الاجتماعي في الإعلام المغربي يظل رهينًا بالسياقات السياسية والمجتمعية، أكثر من كونه نابعًا من رؤية تحريرية واضحة. في هذا السياق، ترى الإعلامية فاطمة الإفريقي أن “التغطيات الإخبارية مرآة تعكس الديناميات السياسية والمجتمعية والثقافية”، معتبرة أن حضور هذه القضايا “قد يزداد أو ينقص بحسب السياقات، وبحسب مدى وجود نخبة سياسية ومشروع مجتمعي حاضنين لقيم المساواة”.
وتلفت الإفريقي، في حديثها لجريدة “مدار21″، إلى غياب سياسة إعلامية مخطط لها تسعى بوعي إلى تسليط الضوء على قضايا المرأة وفق منظور إنصافي، مؤكدة: “لا أشعر بأن هناك تدبيرًا واعيًا وسياسة إعلامية مخطط لها من أجل تسليط الضوء على قضايا المرأة وفق رؤية تحريرية تنحاز لقيم الإنصاف والمناصفة”. وبدل ذلك، تضيف، يطغى الاحتفاء المناسباتي والسطحي المرتبط بالأيام العالمية، أو نقاشات فضفاضة ترافق بعض التطورات التشريعية، في مقابل تركيز واسع على مواضيع “مرتبطة بالتدبير المنزلي والجمال والموضة”.
القرار التحريري والذهنية السائدة
يُثار غالبًا سؤال تأثير ضعف تمثيلية النساء في مواقع القرار داخل غرف الأخبار على ترتيب الأولويات وزوايا المعالجة المرتبطة بقضايا المرأة. غير أن هذا الربط، وإن كان مشروعًا، لا يبدو كافيًا لتفسير الإشكال. فاطمة الإفريقي ترى أن التأثير “نسبي فقط، بل ضعيف”، معتبرة أن المشكل “ليس في الأشخاص أو جنسهم، بل أعمق ومترسخ في الذهنيات”.
وتوضح أن الصحافيين والصحافيات، باعتبارهم نتاج تنشئة اجتماعية واحدة، يعيدون أحيانًا، دون وعي، إنتاج الفوارق والصور النمطية، مضيفة: “نجد أنفسنا كصحفيين وصناع مضامين نعيد لا شعوريًا تكريس الفوارق بين الجنسين والتقسيم التقليدي للأدوار ونحن نرتب الأولويات وزوايا المعالجة”. بل وتذهب أبعد من ذلك حين تشير إلى أن العديد من المضامين المتنافية مع قيم المساواة “تقف خلفها الكثير من النساء”، ما يعكس عمق الإشكال الثقافي.
ويؤدي غياب النساء عن مراكز القرار الإعلامي ، وفق الأستاذ الباحث في الإعلام والتواصل وليد اتباتو، خلال حديثه مع جريدة “مدار21″، كذلك إلى “إضعاف التنوع داخل غرف الأخبار ما يحد من تعددية زوايا المعالجة وشبكات المصادر ويؤثر سلبا على جودة ومهنية المحتوى الإعلامي”.
إضافة إلى ذلك، يواصل اتباتو، ينعكس هذا الخلل البنيوي على “أوضاع الصحفيات أنفسهن عبر تقليص فرص التأثير والترقي وتشجيع الرقابة الذاتية، خاصة عند الاشتغال على قضايا حساسة مرتبطة بالنوع الاجتماعي”.
ويضيف الأكاديمي ذاته أنه “في غياب حضور نسائي وازن داخل دوائر القرار تضعف آليات المساءلة الداخلية وتغيب النقاشات النقدية حول الانحرافات الخطابية والتمثيلات التمييزية”.
ويخلص اتباتو إلى أن “استمرار التحيزات الجندرية في المحتوى الإعلامي لا يمكن اختزاله في خيارات فردية أو ممارسات مهنية معزولة بل يعكس خللا مؤسسيا في بنية السلطة داخل الحقل الإعلامي ما يجعل تعزيز تمثيلية النساء في مواقع القرار مدخلا أساسيا لإصلاح السياسات التحريرية وبناء إعلام أكثر عدالة”.
توزيع جنسي للمهام
إلى جانب الذهنية، يبرز شكل آخر من أشكال التحيز يتمثل في ما تصفه الإفريقي بـ”السياسة الجنسانية غير المعلنة في توزيع المهام الصحفية” في هيئات التحرير، حيث يُكلف الرجال بالمضامين السياسية والاقتصادية “الصعبة”، بينما تُسند للنساء التغطيات “الناعمة”. وتؤكد أن هذا النمط “ليس في المغرب فقط بل في العالم”، ويحتاج إلى “حفر سوسيولوجي في رواسب الهيمنة الذكورية المتوارثة”.
هذا الطرح يتقاطع مع تحليل الأستاذ الباحث وليد اتباتو، الذي يعتبر أن ضعف تمثيلية النساء في مواقع القرار التحريري “يتجاوز مسألة الحضور العددي ليطال تعريف القيمة الخبرية نفسها وحدود ما يعتبر جديرا بالتغطية الإعلامية”. فغياب النساء عن القيادة، بحسبه، يفضي إلى “أجندة تغطية محدودة التنوع تكرس رؤية اختزالية للواقع الاجتماعي”، وتقصي قضايا تمس الحياة اليومية للنساء من النقاش العمومي.
السقف الزجاجي والتحيز الهيكلي
من زاوية بنيوية، تضع الصحافية ورئيسة منظمة المرأة الاتحادية، حنان رحاب، هذا الاختلال في إطار “التحيز الهيكلي داخل غرف الأخبار”، مشيرة إلى أن توزيع السلطة داخل المؤسسات الإعلامية يظل غير متكافئ رغم الحضور العددي المتزايد للنساء. وتستحضر في هذا السياق مفهوم “السقف الزجاجي الذي يمنع النساء من الانتقال من الأدوار التنفيذية إلى مواقع القيادة التحريرية والإدارية”.
وتوضح رحاب، في تصريحها لجريدة “مدار21″، أن هذا السقف لا يقوم على قوانين مكتوبة، بل على “ممارسات تنظيمية غير معلنة، مثل غياب معايير شفافة للتعيين، والاعتماد على شبكات الثقة والعلاقات غير الرسمية”، إضافة إلى تفضيل أنماط قيادية تقليدية تُربط ثقافيًا بالرجال. كما تشير إلى عامل “العبء الزمني غير المتكافئ”، حيث يتم تقييم الجاهزية للقيادة بناء على التفرغ، دون احتساب الأدوار الاجتماعية غير المدفوعة التي تتحملها النساء، “وهو ما يشكل عائقا بنيويا امام مساراتهن المهنية”.
المرأة في الإعلام.. نمطية وإقصاء
تنعكس هذه الاختلالات البنيوية على صورة المرأة في المحتوى الإعلامي، إذ ترى البرلمانية السابقة حنان رحاب أن الإعلام المغربي “يعكس صورة جزئية وانتقائية للمرأة أكثر مما يعكس صورة شاملة ومتوازنة”، حيث تُقدَّم غالبًا “كموضوع للخبر أو كحالة اجتماعية، لا كفاعل يمتلك سلطة معرفية أو سياسية”.
ويظهر هذا التحيز، بحسبها، في توزيع الادوار الاعلامية وضعف حضور النساء كخبيرات أو محللات في القضايا السياسية والاقتصادية والاستراتيجية، مقابل حضور أكبر في القضايا الاجتماعية والإنسانية. وهو ما يؤكده الأستاذ الباحث وليد اتباتو، الذي يشير إلى أن اللغة والخطاب الإعلاميين يعيدان إنتاج الصور النمطية “عبر توصيف النساء في أدوار عاطفية أو ثانوية، ما يجعل التحيز الجندري متجذرا في بنية الخطاب لا في اختيار الموضوعات فقط”.
الحياد المهني والانحياز للقيم
في مواجهة هذا الواقع، يبرز نقاش الحياد المهني وحدود دفاع الصحافي/ة عن قضايا المرأة داخل المؤسسة الإعلامية. فاطمة الإفريقي تحسم هذا النقاش بوضوح حين تؤكد: “في قضايا الحقوق وقيم الكرامة الإنسانية ليس هناك حياد”، معتبرة أن “الانحياز للقيم في الإعلام هو أكبر دليل على المهنية”.
وترى أن الإعلام ليس عملًا تقنيًا محضًا، بل “نضال نبيل من أجل الحقيقة والإنصاف والعدالة”، ما يفرض على المؤسسات الإعلامية وعيًا بدورها الاجتماعي والتربوي، والانخراط الواعي في بناء ثقافة حقوقية تشمل قضايا المرأة، والمواطنة، والتعدد، والاختلاف، انطلاقًا من قناعة مفادها أن “الحقوق لا تتجزأ”، بل “تؤخذ كاملة أو تترك، ليس هناك حل وسط في بناء مجتمعات تحترم القيم الانسانية وقواعد العيش المشترك”، تشدد الإفريقي.
التكوين الإعلامي: حل جزئي لإشكال بنيوي
من جهة أخرى، تعيد الباحثة مليكة أقستور جذور الإشكال إلى طبيعة التكوين الإعلامي، معتبرة أن طلبة الصحافة “لا يتلقون تكوينًا كافيًا يشجعهم على تقدير التعددية داخل غرف الأخبار”، إذ يظل التركيز منصبًا على المهارات التقنية، دون التفكير في مسألة السلطة وعدم المساواة، وهو ما ينعكس لاحقًا على “طريقة تغطية الأخبار وصورة المرأة في الإعلام”.
وترى أقستور أن إدماج قضايا العدالة والمساواة واحترام التنوع في التكوين “بشكل أساسي وجوهري” من شأنه أن يهيئ صحفيين قادرين على “التعرف على الصور النمطية ومحاربتها”. لكنها تشدد في المقابل على أن التكوين وحده لا يكفي، ما لم يُواكب بتدريب مستمر داخل المؤسسات، وتغيير في الثقافة التنظيمية.
وتابعت أقستور، في حديثها لجريدة “مدار21″، “أؤمن بأن التكوين الإعلامي يمكن أن يلعب دورًا مهمًا في إحداث التغيير”، وذلك بتأثيره في “طريقة تفكير الطلبة الذين سيقودون غرف الأخبار مستقبلًا”، مشددة على أن التغيير “غالبًا ما يبدأ من الجذور، ويُشكّل التكوين الأكاديمي الأساس للمسار المهني للصحفي. لذلك، يمكن للتكوين أن يساهم في تحدي العقليات المهيمنة”.
واستدركت الباحثة في الإعلام أن هذا التكوين يجب أن يُواكَب بتدريب مستمر داخل المؤسسات الإعلامية والمنظمات، يشمل التوعية بقضايا النوع الاجتماعي، وأخلاقيات المهنة، والتفكير النقدي. ومن شأن هذا النهج أن يُهيئ الطلبة والمهنيين لطرح تساؤلات حول ممارسات غرف الأخبار وتعزيز تغطية إعلامية أكثر إنصافًا.
وتضيف الباحثة نفسها أنه يمكن لتحسين التكوين الإعلامي أن يساهم في “تغيير الممارسات المهنية من خلال معالجة الصور النمطية عن النساء منذ البداية. فعلى سبيل المثال، غالبًا ما يُسأل النساء عن كيفية التوفيق بين العمل والأسرة، بينما لا يُطرح نفس السؤال على الرجال”.
وأضافت الباحثة نفسها أنه “إذا بدأ التعليم الصحفي من الجذور مع التركيز على العدالة والمساواة والاحترام، وليس فقط على المهارات التقنية مثل الكتابة والتحرير، يمكن للصحفيين المستقبليين تطوير ممارسات أكثر مسؤولية”.
وتابعت كذلك أنه “يمكن للتكوين الأفضل أن يشجع الطلاب على التساؤل حول عادات غرف الأخبار، مثل من يقرر أي القصص مهمة، وكيف تُصوَّر النساء في المحتوى الإعلامي، ومن يتم ترقيته أو الاستماع إليه في الاجتماعات التحريرية. ومن خلال ذلك، يمكن للتعليم الصحفي أن يساعد المهنيين المستقبليين على تجنب الصور النمطية، وتعزيز تمثيل متوازن، ودعم وصول النساء إلى مواقع اتخاذ القرار داخل غرف الأخبار”.
نحو إدماج حقيقي
وضمن وصفة الحل لتعزيز إدماج مقاربة النوع داخل المؤسسات الإعلامية، يرى اتباتو، أن سائل الإعلام بحاجة إلى “خطوات عملية تضمن إدماجا حقيقيا لمقاربة النوع الاجتماعي في هياكلها وثقافتها المهنية بدل الاكتفاء بحضور نسائي رمزي”.
هذا المسار، بحسب أستاذ الأعلام والتواصل نفسه، يستوجب اعتماد سياسات مؤسساتية عادلة “تقوم على الكفاءة وتكافؤ الفرص بين النساء والرجال في التوظيف والترقية وتولي مناصب القيادة باعتبارها مدخلا أساسيا لتحقيق هذا الهدف”، مبرزا أن تعزيز قدرات العاملين عبر دورات تكوينية منتظمة في مقاربة النوع الاجتماعي والممارسة التحريرية المراعية للنوع يشكل “أداة مركزية لتصحيح الصور النمطية وترسيخ الوعي بالمساواة داخل الممارسة الإعلامية”.
وإلى جانب ذلك يستدعي هذا المسار، وفق الأكاديمي نفسه، “إرساء ضوابط تحريرية واضحة تدمج منظور المساواة في مختلف مراحل إنتاج الخبر وصياغته من اختيار المواضيع والمصادر إلى العناوين والصور مع اعتماد آليات داخلية للرصد والتقييم لمتابعة احترام مبادئ عدم التمييز”. كما يتطلب الأمر “ترسيخ ثقافة مؤسساتية دامجة تقوم على المساءلة الذاتية والمهنية المستمرة بما يجعل المساواة عنصرا بنيويا ومستداما في سياسات المؤسسة وأدائها وليس مجرد التزام شكلي أو ظرفي”.
ومن جانبها، تذهب حنان رحاب إلى أن تعزيز حضور المرأة في الإعلام، خاصة في مواقع صنع القرار، “يقتضي مقاربة مؤسساتية شاملة”، داعية إلى إرساء “آليات واضحة للتعيين والترقية تعتمد على معايير موضوعية قابلة للقياس، مع تتبع دوري لتمثيلية النساء داخل هياكل القيادة”.
ولفتت الصحفية والسياسية نفسها إلى أنه “يجب الانتقال من منطق التمكين الشكلي إلى التمكين الوظيفي، أي منح النساء سلطة فعلية على القرار التحريري والإداري”، مبرزة ضرورة إعادة النظر في “الثقافة التنظيمية داخل غرف الأخبار، من خلال تفكيك الصور النمطية المرتبطة بالقيادة، والاعتراف بتعدد أنماطها”.
وتعتبر حنان رحاب أن “الاستثمار في التكوين المستمر، وبرامج التأهيل القيادي، ووضع آليات للحماية من التمييز والعنف الرمزي”، تشكل عناصر أساسية “لضمان بيئة مهنية عادلة ومنصفة”.
*أنجز هذا المقال في إطار مشروع: تعزيز التعددية الإعلامية في غرف الأخبار بالمغرب، المنظم من جمعية بوصلة – مبادرات مواطنة بشراكة مع منظمة صحفيون من أجل حقوق الإنسان
Source link
