تشهد العديد من المدن والقرى والمداشر المغربية تساقطات مطرية وثلجية كثيفة، وذلك بعد سنوات من الجفاف، وأصبح الجميع يتحدث عن الأحوال الجوية، ولكن لا أحد يفعل شيئا حيالها، فالمناخ المتغير وهو من صنع البشر، يجلب معه العواصف الأكثر حدة ودرجات الحرارة المتطرفة وارتفاع منسوب البحر، وهي آثار تهدد بإجلاء البشر والإضرار بسبل العيش المحلي دون أن ننسى ما لذلك من تبعات اقتصادية واضحة وعالية التكلفة على البنية التحتية.
ورغم أن الظواهر المناخية المتطرفة تحدث محليا، فإنها تؤثر على المجتمع بأسره بشكل مباشر وغير مباشر. وتمتد آثار الظواهر المناخية المتطرفة عبر سلاسل التوريد وتؤثر على مناطق بعيدة بطرق كبيرة(توقف عدد من الموانئ وقطع الطرق وغرق عدد من المستودعات)، فمثلا في فالنسيا بإسبانيا، في الخريف الماضي من سنة 2025، لقي أكثر من 230 شخصا حتفهم بسبب الفيضانات المفاجئة في المناطق الحضرية الواقعة أسفل النهر نتيجة لهطول أمطار غزيرة.وقد أحدثت تلك الفيضانات دمارًا هائلاً في المنطقة، مما أسفر عن خسائر لا تُحصى في الأرواح البشرية وسبل العيش. وتشير التقديرات إلى أن تكلفة البنية الأساسية المتضررة ستتجاوز 10.5 مليار يورو.
بالتالي فمواجهة المناخ لا تتوقف عند تخفيف الضرر فحسب، بل تمتد إلى التكيف معه من اجل المستقبل، ففي خضم هذه الحالة المناخية المتقلبة من جفاف طويل إلى تساقطات مطرية غزيرة تطرح أكثر من سؤال حول سبل حماية رأس المال الطبيعي حتى يستمر في إمدادنا بالخيرات لفترة طويلة في المستقبل.
فالأحداث ذات الصلة بالأحوال الجوية أصبحت أكثر تكرار وأشد عنفا، وسواء كنا مستعدين أم لا، فإننا مقبلون على عصر التكيف، ونحتاج إلى التحلي بالذكاء في التعامل مع تلك المسألة، فالتأقلم مع الطبيعة والتغيير المناخي ليس انهزام وإنما هو تصدي لما قد يحدث بالفعل.
فالمغرب أصبح من ضمن البلدان المعرضة للكوارث ومن تم أضحى مطالبا بالاعداد الاستراتيجي لمواجهتها والتكيف معها، والاستثمار في بناء الصلابة بما يساهم في تخفيف المعاناة الإنسانية وتقليل أعداد أولئك الذي يلقون حتفهم أكثر مما يتحقق من مجرد تدفق الموارد للإغاثة والتعافي بعد وقوع الكوارث.
فالاستثمار في هذا الجانب يخفض تكاليف التدخل بعد وقوع الكوارث بما يعادل النصف على أقل تقدير، ووفقا لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، فالتكيف مع تغير المناخ في الاقتصادات النامية قد يكلف ما يتراوح بين 56 مليار دولار و300 مليار دولا بحلول سنة 2030.
فالوضع الذي تعيشه بعض مدن الشمال والاطلس المتوسط يطرح سؤال محوريا حول دور الجماعات الترابية في مواجهة التغيرات المناخية، فالواقع أثبت أنها عاجزة عن التدخل لعدم امتلاكها للوسائل والأدوات المناسبة سواء تجفيف المياه أو إزاحة الثلوج.
فالمتأمل لواقع التدبير الترابي يلاحظ غياب استراتيجية ترابية لمواجهة الطقس المتقلب وعدم تبني سياسات التأقلم والتكيف مع المناخ سواء في ظل الجفاف أو في عز التساقطات المطرية أو الثلجية، بل يتم الوقوف عند تقادم التجهيزات العمومية والبنيات التحتية واختناق أنظمة تصريف المياه.
ولا شك أن تصريح أحد رؤساء الجماعات التي تعرف فيضانات تلخص كل شيء، حيث يدعو الساكنة إلى إخلاء المساكن السفلية وتوخي الحيطة والحذر.
فمن حيث المبدأ يتطلب منه كمدبر محلي أن يكون مسلحا بمعطيات عن الأماكن المغمورة بالمياه ومستويات الخطر بها ويحدد أماكن الايواء والإغاثة في حالة الخطر الشديد وينشر معطيات آنية ومحينة عن حالة منسوب المياه وأن يرسم طرق ومنافذ الإنقاذ والإغاثة، فمثلا دولة ملاوي توظف تقنيات التواصل عبر الهاتف في إرسال رسائل الإنذار المبكر من الاحداث الجوية المتقلبة والتخطيط لأنواع المحاصيل التي يزرعونها تماشيا مع الظروف المناخية.
فهذا الواقع يعطي صورة عن التدبير العشوائي لعدد من مدن المملكة التي تدبر بشكل غير عقلاني وعن حجم المخاطر المادية الناتجة عن الأضرار التي تلحق بالممتلكات والبنية التحتية والأراضي الفلاحية.
إن الوضعية الحالية تستدعي إعادة النظر في عدد من السياسات التدبيرية والتي يمكن ابرازها في المستويات التالية:
1- التكيف الهيكلي عبر زيادة صلابة البنية التحتية كتقوية شبكات الطرق والجسور والاتصالات وشبكات الكهرباء وإمدادات المياه ونظم الصرف الصحي في مواجهة العواصف العاتية.
2- تعزيز الصلابة الاجتماعية في فترة الكارثة وبعدها، مثل التخطيط لحالات الطوارئ والتدابير ذات الصلة بغرض ضمان كفاءة التحرك والتدخل لاحتواء الكوارث مع أقل قدر من الاضطراب في الخدمات العمومية.
3- وضع نظام الإنذار المبكر وتعزيز قدرات الجماعات الترابية والمؤسسات العمومية والمجتمعات على التحرك في مواجهة الكوارث.
4- تحديث قوانين البناء والتعمير بما يضمن تحسين قدرة البنية التحتية والمباني على تحمل الأحداث المناخية المتطرفة، وأيضا تحسين قدرة الزراعة على تحمل تغير المناخ عبر تخصيص واستثمار مزيد من الأموال في البحوث والتطوير.
5- تكثيف النسيج العمراني للمدن وإدراج مسألة الحـد مـن درجة ارتهان بعض الأنشطة بالقرب من الساحل في تصاميم التهيئة العمرانية المستقبلية.
6- تعزيز دور المجتمع المدني في مجال تحسيس المواطنين بالرهانات المرتبطة بالتغير المناخي وتيسير سبل الولوج إلى المعلومات البيئية لدى الإدارات الجهوية والوطنية.
7- توعية وتحسيس المنتخبين الترابيين بأهمية مواجهة الاضطراب المناخي من خلال تشجيعهم على وضع مخططات مناخية مجالية ومحلية توافق خصوصيات مناطقهم ومراعاة المخاطر المناخية في تنمية المجالات.
