المغرب نيوز

الثلج يقلب معادلة الجفاف.. أكثر من 55.400 كيلومتر مربع مغطاة بالبياض في أقوى حلقة مناخية يشهدها المغرب منذ عقود

الثلج يقلب معادلة الجفاف.. أكثر من 55.400 كيلومتر مربع مغطاة بالبياض في أقوى حلقة مناخية يشهدها المغرب منذ عقود


شهد المغرب ما بين دجنبر 2025 ويناير 2026 حلقة جوية استثنائية وغير مسبوقة من حيث الامتداد الجغرافي للتساقطات الثلجية، حيث غطّى الغطاء الأبيض مساحة فاقت 55.400 كيلومتر مربع من التراب الوطني، في حدث مناخي نادر يشكّل قطيعة واضحة مع سبع سنوات متتالية من الجفاف الحاد الذي أنهك الموارد المائية وأضعف المنظومات البيئية والفلاحية.

ووفق معطيات مناخية حصلت عليها “الصحيفة” من المديرية العامة للأرصاد الجوية، فإن هذا الامتداد الواسع للثلوج لا يُعدّ حدثا عاديا في السجل المناخي للمملكة ذلك أنه رغم أن سلاسل الأطلس والريف اعتادت تاريخيا على التساقطات الثلجية، فإن وصول الغطاء الأبيض إلى مناطق السهول والمجالات ما قبل الصحراوية يظل استثناء نادرا.

وتستحضر المعطيات ذاتها التي حصلت عليها “الصحيفة” في تحليلها للتطورات المناخية الأخيرة، سنة 2006 كآخر محطة شهد فيها المغرب حلقة ثلجية معمّمة على المستوى الوطني، قبل أن تدخل البلاد لاحقا مرحلة تذبذب مناخي حاد.

وتشير المعطيات نفسها إلى أن سنتي 2009 و2010 عرفتا بدورهما تساقطات ثلجية مهمة خاصة في الأطلس الكبير والمتوسط، وأسهمت حينها في تحسين مخزون المياه السطحية والجوفية غير أن شتاء 2012 شكّل محطة فارقة، حيث أدت موجات برد قوية وتساقطات كثيفة إلى إغلاق عدد كبير من الممرات الجبلية، ما عكس شدة الاضطرابات الجوية التي عرفتها المملكة في تلك الفترة.

لاحقا، وفي سنة 2018 سُجّل حدث مناخي نادر حين بلغت الثلوج مشارف الصحراء خصوصا في ورزازات وزاكورة، وهي مناطق لم تكن معتادة على مثل هذه الظواهر غير أن هذا الاستثناء لم يدم طويلا، إذ دخل المغرب ما بين 2019 و2022 مرحلة جفاف وُصفت بالأشد منذ عقود تميزت بندرة التساقطات الثلجية وتراجع خطير في تغذية الفرشات المائية، ما زاد من الضغط على الأمن المائي الوطني.

وسجّل شهر فبراير 2023 انتعاشة مؤقتة، بعد تساقطات ثلجية كثيفة بلغ سمكها محليا نحو 80 سنتيمترا في الأطلس الكبير والأطلس الصغير، غير أن هذا التحسن ظل ظرفيا كما عرفت سنة 2024 عودة محدودة للثلوج خلال شهر مارس، على خلفية العاصفة “جانا” دون أن تُحدث تحولا بنيويا في الوضع المناخي العام.

غير أن دجنبر 2025 شكّل نقطة تحوّل حقيقية، إذ سجّلت المديرية العامة للأرصاد الجوية رقما قياسيا غير مسبوق مع تغطية الثلوج لأكثر من 55.400 كيلومتر مربع من التراب الوطني، وهو حدث ارتبط مباشرة بالعاصفة “فرانسيس” التي تميّزت بقوتها واستمراريتها واستمر هذا النسق خلال يناير 2026، حيث سُجّل تساقط ثلجي نادر في مدينة وجدة، للمرة الأولى منذ 23 سنة، امتد ليشمل مجموع جهة الشرق.

وتوضح تحليلات المديرية العامة للأرصاد الجوية، التي تحصلت عليها “الصحيفة” أن هذه الحلقة المناخية الاستثنائية ناتجة عن تلاقي عوامل جوية نادرة أبرزها اندفاع كتل هوائية قطبية شديدة البرودة قادمة من الشمال تزامنت مع اضطرابات رطبة قادمة من المحيط الأطلسي ما أدى إلى تشكّل حالة انسداد منخفضي فوق المغرب استمرت لعدة أيام وهذا الوضع الجوي غير المعتاد أسفر عن تساقطات ثلجية كثيفة، تجاوز سمكها محليا مترا واحدا في بعض مناطق الأطلس الكبير.

وسجّلت المناطق الجبلية النصيب الأكبر من هذه التساقطات، خاصة الأطلس الكبير والمتوسط، اللذين يُعدّان خزانات مائية طبيعية للمملكة كما عرف الريف بدوره ارتفاعات قياسية في سمك الثلوج، لا سيما في أقاليم شفشاون والحسيمة أما جهة الشرق، فقد عاشت لحظة تاريخية غير مسبوقة، بعدما اكتسى النسيج الحضري لمدينة وجدة بالثلوج لأول مرة منذ أكثر من عقدين.

على المستوى المائي، تؤكد المعطيات الرسمية أن لهذه التساقطات أثرا إيجابيا بالغ الأهمية إذ ارتفع معدل ملء السدود في أقل من شهر من 31,1 في المائة إلى أكثر من 45 في المائة، ما يمثل انتعاشا ملموسا في المخزون الاستراتيجي للمياه ومع ذوبان الثلوج تدريجيا خلال فصل الربيع يُرتقب أن تسهم هذه الكتلة الثلجية في تغذية الأودية بشكل منتظم وتعزيز إعادة شحن الفرشات المائية بما يدعم الأمن المائي الوطني على المدى المتوسط.

وفي القطاع الفلاحي، تُعتبر هذه التساقطات بمثابة “وعد بالحياة” لما لها من دور في تحسين رطوبة التربة والحد من انتشار الآفات، وضمان ظروف أفضل للمزروعات الحبوبية والمراعي الطبيعية، التي تُعدّ ركيزة أساسية لتربية الماشية غير أن الوجه الآخر لهذا الحدث يتمثل في التحديات الاجتماعية واللوجستية التي فرضها، إذ تسببت كثافة الثلوج في عزل مئات الدواوير بالمناطق الجبلية، وصعوبة الولوج إلى عدد من المسالك والطرق.

وأمام هذا الوضع، اضطرت السلطات العمومية إلى تعبئة موارد بشرية ولوجستية مهمة من بينها المروحيات وآليات إزالة الثلوج، لتأمين إيصال المساعدات الغذائية وضمان التدخلات الطبية المستعجلة ما أعاد إلى الواجهة هشاشة بعض المجالات الترابية أمام الظواهر المناخية القصوى.

وتخلص المديرية العامة للأرصاد الجوية، في تقييمها للحلقة الشتوية 2025-2026، إلى أن هذا الحدث سيظل محطة فارقة في السجل المناخي للمغرب فبينما وفّر متنفسا حيويا في مواجهة الجفاف البنيوي، فإنه يسلّط الضوء في الآن ذاته على تزايد حدة التقلبات المناخية، وانتقال البلاد بين فترات إجهاد مائي حاد وحلقات مناخية قصوى في مدد زمنية قصيرة.

وبين “مغرب الجفاف” و”مغرب الثلوج” يجد البلد نفسه أمام تحدي مواصلة تكييف بنياته التحتية، وسياساته في تدبير الموارد المائية، وقدرته على الصمود الترابي من أجل تحويل هذه النعمة الطبيعية الظرفية إلى رافعة استدامة في سياق مناخي بات أكثر تقلبا وأقل قابلية للتنبؤ.



Source link

Exit mobile version