
عمد المشرعون الجزائريون إلى نزع أنياب مشروع قانون تجريم الاستعمار، الذي كان يُعد في الأصل لانتهاج سياسة هجومية ضد فرنسا، المستعمر السابق للبلاد، حيث أقر مجلس الأمّة الجزائري تعديلات جوهرية أهمها استبعاد مطالبة باريس بالاعتذار، وفي المقابل شدد العقوبات الموجهة للمواطنين داخليا في حال تورطهم في “تمجيد” الأفعال الاستعمارية.
ووفق التعديلات الجديدة، التي اعتمدتها الغرفة العليا للبرلمان الجزائري أول أمس الاثنين، فإن المواد التي كانت تطالب فرنسا بتقديم اعتذارات رسمية وأداء تعويضات عامة على فترتها الاستعمارية للبلاد، التي امتدت من 1830 إلى 1962، جرى حذفها بالكامل، واستبدالها بدعوة باريس إلى “الاعتراف التاريخي” بماضيها الاستعماري.
هذه الخطوة تأتي مناقضة لما تبناه المجلس الشعبي الوطني، الغرفة السفلى للبرلمان، أواخر دجنبر من سنة 2025، في ذروة الأزمة الدبلوماسية بين باريس والجزائر، غير أن اعتماد التعديلات يأتي بتوافق بين الغرفتين البرلمانيتين، من خلال لجنة مشتركة جرى تشكيلها للحسم في النقاط المختلف بشأنها، وخصوصا تلك الموجهة مباشرة إلى فرنسا.
وتنم هذه الخطوة عن مسعى جزائري لتخفيف حدة التوتر مع باريس، الذي تراكم، بإقرار قصر المرادية، منذ أن بعث الرئيس إيمانويل ماكرون رسالة إلى الملك محمد السادس، أواخر يوليوز من سنة 2024، يعلن فيها دعم بلاده “ترى أن حاضر ومستقبل الصحراء يندرجان تحت السيادة المغربية”، قبل أن تتوالى الأحداث التي عمقت الأزمة، مثل اعتقال الكاتب بوعلام صنصال وملاحقة مسؤولين دبلوماسيين واسختباراتيين جزائريين حاولوا اختطاف الناشط المعارض “أمير دي زاد” من فرنسا.
هذا “التراجع الممنهج” ليس خيارا للمشرعين الجزائريين، بل هو قرار لأعلى هرم السلطة في البلاد، الأمر الذي عبر عنه بوضوح مقرر اللجنة البرلمانية المشتركة المكلفة بصياغة التعديلات، فوزي بن جاب الله، والذي قال، في تصريحات تلت اعتماد النسخة الجديدة من مشروع القانون، إن الأمر يعكس “الموقف المبدئي والثابت للدولة الجزائرية”، مضيفا أنها “لن تفرط في ذاكرتها مقابل المكاسب المادية”.
وإذا كانت هذه الوثيقة قد تراجعت عن مطالبة فرنسا بتعويض الجزائر على الفترة الاستعمارية، فإنها تركت، في المقابل مطلبا آخر بالتعويض المادي، والذي يتعلق بضحايا التجارب النووية في صحاري جنوب البلاد، حيث بقيت الفقرات المتعلقة به دون تغيير.
والملاحظ أيضا أن النص الجديد أدخل تعديلات حتى على المواد المتعلقة بتجريم التعاون مع القوات الاستعمارية الفرنسي، حيث خفض توصيف جريمة هؤلاء الأشخاص الذين يوصفون بـ”الحركى” من “الخيانة العظمى” إلى “الخيانة” فقط.
وفي المقابل، فإن مشروع القانون تحول إلى وسيلة لحماية الرواية الرسمية المتعلق بالفترة الاستعمارية داخليا حيث شدد العقوبات على الجزائريين المتورطين في “تمجيدها”، إذ سيُعاقب كل من وقع في ذلك عبر “تصريحات أو كتابات أو صور أو تسجيلات سمعية بصرية تهدف إلى تبرير الاستعمار أو الإشادة به”، بالسجن من 3 إلى 5 سنوات، وغرامة مالية تتراوح ما بين 100 ألف و500 ألف دينار.
والظاهر أن النص الجديد حاول تقييد أي محاولة لـ”تبييض” صورة الحقبة الاستعمارية عبر وسائل الإعلام أو في الفضاء العام بما في ذلك اللقاءات الأكاديمية أو من داخل الهيئات السياسية، حيث نص على تشديد العقوبات ومضاعفتها إذا ما جرى “الترويج للاستعمار في إطار إعلامي أو جامعي أو ثقافي أو سياسي”، لتصل إلى 10 سنوات سجنا وغرامة قدرها مليون دينار.
وعمليا، أصبح مشروع قانون تجريم الاستعمار إلى نص موجه إلى الداخل الجزائري، في ظل ظهور تيارات تعتبر أن وضع البلاد حاليا أسوأ من نظيرتها خلال الحقبة الاستعمارية، وفي المقابل فإن التراجع عن مطلب باريس بتقديم اعتذار رسمي أو تقديم تعويضات عامة عن تلك الحقبة، يمهد الطريق لمحاولات “الصلح الدبلوماسي” القائمة حاليا بين البلدين.
Source link

