سبحان الله… لم نعد نفهم. هل تغيّر المشهد في غزة، أم تغيّرت خرائط السماء السياسية في الجزائر؟ فجأة، ودون سابق إنذار، اكتشف وزير الخارجية الجزائري أن “بيان الفصائل الفلسطينية مجهول” وأن المرجعية الوحيدة هي منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية.
جميل! فقط سؤال صغير: ألم تكن هذه السلطة نفسها تُتَّهَم رسميًا من الجزائر – ولسنوات – بأنها عاجزة، مستهلكة، وغير قادرة على حمل مشروع التحرير؟ ألم تكن الجزائر قبل أشهر تستقبل حماس والفصائل في ضيافة الأبطال وتصفّق لتوحيد الصف الفلسطيني؟ ماذا حدث؟ من سرق تلك الحماسة الثورية؟ ومن محا كل تلك الصور التي كانت تتداول بفخر على المنابر؟
الجواب بسيط: مكالمة هاتفية من العم سام، فيغدو مقاوم. الأمس ضيفًا غير مرغوب، وتصبح السلطة بعد نفض الغبار عليها مرجعًا مقدّسًا، وتنقلب المقامات خلال 24 ساعة انقلابًا يجعل رمال الصحراء ثابتة ،يا سلام على المبادئ… ويا سلام على سرعة التحوّل! حتى تطبيقات الخرائط تحتاج وقتًا أطول لتغيير الاتجاه.
وعجيب أن الجزائر، التي كانت قبل أسابيع فقط تطالب تريد كسر الحصار وتطالب بفتح الحدود بين مصر وغزة لنصرتها من طرف الجيش الجزائري أصبحت اليوم تتحدث بنبرة دبلوماسية باردة، وكأن شيئًا لم يكن، وكأن الأطفال الذين قضوا تحت الأنقاض كانوا جزءًا من حملة انتخابية وليست مأساة إنسانية تستدعي ثباتًا في الموقف. فمتى كانت المبادئ تُقاس اليوم بين الفصائل المجهولة او المعلومة ومتى كانت البوصلة الفلسطينية تُضبط على تردد البيت الأبيض؟
أي نفاق أغرب من هذا: أن ترتفع الشعارات إلى السماء حين تكون الرياح مناسبة، ثم تهبط فجأة حين يتغير اتجاه الضغط الدولي؟ أن تكون حماس “ممثلة للمقاومة” يومًا، و”جهة غير مرجع” في اليوم الموالي؟ أن تكون الفصائل “ضيوف الجزائر” في أكتوبر، و”كيانات مجهولة” في نوفمبر؟
إن ازدواجية الخطاب هذه ليست مجرد خطأ سياسي، بل مسرحية بائسة. مسرحية تبيع العواطف بدون مقابل وتعيد شرائها بالانتهازية الدبلوماسية. مسرحية يتلو فيها الوزير نصًا لم يكتبه، ويؤدي دورًا لم يُسند إليه بإرادته، ويقف على خشبةٍ لا يملك حتى اختيار إضاءتها. أما الجمهور؟ فتمّ افتراض أنه فاقد الذاكرة، وأنه سيتقبّل هذه القفزات كما يتقبّل فواصل الإعلانات التجارية.
يا معالي الوزير… إن كانت مرجعيتكم هي السلطة الفلسطينية، فهذا حقكم. وإن كان بيان الفصائل “مجهولًا”، فذاك شأنكم. لكن لماذا دعوتم تلك الفصائل إذن؟ لماذا طبّلتم للوحدة والمصالحة؟ لماذا صنعتم احتفالًا وصورًا وتصريحات؟ هل كل هذا كان لمجرد “الديكور السياسي”؟ أم كان تمرينًا مجانيًا على الدبلوماسية الانتهازية التي تتغير كالشراع وفق اتجاه الهواء؟
أيها الخطاب الرسمي الجزائري… قليل من الحياء فقط. قليل من الشجاعة في تحمل مواقف اتُّخذت على المسرح أمام الجميع. وقليل من الاحترام لعقول الناس الذين يتابعونكم، ويحفظون تصريحاتكم، ويراقبون كيف تنتقلون من “غزة خط أحمر” إلى “بيان مجهول” في لمح البصر.
الفلسطينيون لا يحتاجون خطابًا يغيّر جلده. ولا يحتاجون مهرجانات سياسية متقلبة. يحتاجون فقط إلى مَن لا يبدّل مواقفه بنبض الخارجية الأمريكية.
أما أنتم، فآهٍ منكم… لو كان للمواقف وزن، لتحركت الجزائر على خريطتها من كثرة الانزياحات.
