الجزيرة بين السردية الإعلامية والحسابات الجيوسياسية.. كيف تُعاد صياغة الحرب في الخطاب الإعلامي في الشرق الأوسط؟

adminمنذ 4 ساعاتآخر تحديث :
الجزيرة بين السردية الإعلامية والحسابات الجيوسياسية.. كيف تُعاد صياغة الحرب في الخطاب الإعلامي في الشرق الأوسط؟


في أوقات الحروب والتوترات الإقليمية، لا تكون المعارك عسكرية فقط، بل تتحول أيضاً إلى صراع على السرديات الإعلامية. فكل طرف يسعى إلى صياغة روايته الخاصة للأحداث وتقديمها للرأي العام بطريقة تخدم مصالحه السياسية والاستراتيجية. وفي الشرق الأوسط، حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية، يصبح الإعلام لاعباً أساسياً في هذه المعركة. وفي هذا السياق يبرز الجدل حول الخطاب الذي تتبناه قناة الجزيرة في تغطية التصعيد بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها في الخليج.

خلال فترات التوتر العسكري الأخيرة، لاحظ العديد من المتابعين أن القناة تميل في بعض تغطياتها إلى تبني صياغة لغوية وإطارية تعطي وزناً أكبر للرواية الإيرانية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالهجمات التي تطال دول الخليج. ففي الوقت الذي تسقط فيه صواريخ ومسيرات إيرانية على منشآت أو مواقع داخل دول مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين والكويت، وأحياناً حتى داخل قطر نفسها، يجري في كثير من الأحيان توصيف هذه الضربات إعلامياً على أنها استهداف للقواعد الأمريكية في المنطقة، وليس اعتداءً مباشراً على دول الخليج.

هذه الصياغة ليست تفصيلاً لغوياً بسيطاً، بل تحمل دلالة سياسية وإعلامية مهمة. فالإطار الذي تُقدَّم من خلاله الأحداث يمكن أن يغير بشكل كبير طريقة فهم الجمهور لها. فعندما يتم تقديم الضربات الإيرانية باعتبارها موجّهة أساساً إلى القواعد الأمريكية، فإن ذلك يخفف من حدة الانطباع بأن إيران تستهدف دول الخليج نفسها، ويمنح الرواية الإيرانية مساحة أكبر لتبرير عملياتها العسكرية باعتبارها جزءاً من مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.

بهذه الطريقة، تتحول دول الخليج في الخطاب الإعلامي من كونها الهدف الفعلي للهجمات إلى مجرد مساحة جغرافية توجد فيها قواعد عسكرية أمريكية. وهذا التحول في زاوية التناول ينسجم إلى حد بعيد مع الخطاب الرسمي الإيراني الذي يصر دائماً على أن عملياته العسكرية في المنطقة تستهدف الوجود العسكري الأمريكي، وليس الدول العربية.

في المقابل، يظهر اختلال آخر في التغطية عندما يتعلق الأمر بالضربات الأمريكية أو الإسرائيلية داخل إيران. فالتقارير الميدانية التي يبثها مراسلو قناة الجزيرة غالباً ما تركز على الأبعاد الإنسانية لهذه الضربات، مع إبراز صور الأحياء السكنية أو الحديث عن السكان المدنيين الذين قد يتأثرون بالعمليات العسكرية. هذا التركيز الإنساني مفهوم من الناحية الصحفية، لكنه يصبح مثار جدل عندما يقارن المتابعون بين طريقة تصوير الضربات داخل إيران وبين طريقة توصيف الضربات التي تطال دول الخليج.

هذا التباين في المعالجة الإعلامية يعزز الانطباع لدى بعض المتابعين بأن هناك ميلاً ضمنياً إلى تخفيف مسؤولية إيران عن استهداف الدول الخليجية، مقابل إبراز الآثار الإنسانية للعمليات العسكرية التي تستهدف إيران. وفي لحظات التوتر الشديد، يصبح لهذا الاختلال أثر واضح على تشكيل الرأي العام وعلى طبيعة النقاش السياسي في المنطقة.

لفهم أسباب هذا التوجه، لا بد من النظر إلى عدة عوامل متداخلة. أول هذه العوامل يتعلق بطبيعة المدرسة التحريرية التي نشأت داخل قناة الجزيرة منذ تأسيسها. فقد قامت القناة منذ البداية على فكرة إعطاء مساحة للروايات التي تعتبر نفسها معارضة للهيمنة الغربية في المنطقة. ومع مرور الوقت، أصبح هذا التوجه جزءاً من الهوية الإعلامية للقناة، حيث يميل الخطاب التحليلي فيها إلى التركيز على السياسات الأمريكية وانتقادها بشكل مكثف.

العامل الثاني يتعلق بتأثير بعض الشبكات الفكرية القريبة من تيارات الإسلام السياسي، وعلى رأسها الدوائر المرتبطة بـ جماعة الإخوان المسلمين، التي غالباً ما تقدم الصراع في الشرق الأوسط ضمن إطار ثنائي يقوم على مواجهة بين محور غربي تقوده الولايات المتحدة ومحور آخر يرفع شعار مقاومة النفوذ الغربي. وفي هذا السياق، تُقدَّم إيران أحياناً كجزء من هذا المحور، حتى وإن كانت سياساتها الإقليمية تصطدم بشكل مباشر مع مصالح الدول العربية.

أما العامل الثالث فيرتبط بالحسابات الجيوسياسية لدولة قطر نفسها. فالدوحة تحاول منذ سنوات الحفاظ على موقع خاص في النظام الإقليمي يقوم على لعب دور الوسيط بين القوى المتنافسة. وهذا الدور يتطلب في كثير من الأحيان الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، بما في ذلك إيران.

غير أن تحليل المشهد لا يكتمل دون التوقف عند البعد العقائدي والسياسي الذي يحكم سلوك النظام في إيران منذ قيام الثورة الإيرانية 1979. فعلى الرغم من أن إيران دولة إسلامية، وأن منطق التضامن الإسلامي يقتضي الوقوف إلى جانب الدول الإسلامية في مواجهة الأخطار الخارجية، فإن طبيعة النظام السياسي الذي نشأ بعد الثورة قامت على مشروع أوسع من مجرد إدارة دولة وطنية داخل حدودها الجغرافية.

فالنظام الإيراني تبنى منذ البداية فكرة “تصدير الثورة”، وهي فكرة تقوم على نشر النموذج السياسي والعقائدي الذي تأسس في طهران إلى خارج حدودها. ومع مرور الوقت، تحولت هذه الفكرة إلى جزء من العقيدة السياسية للدولة، حيث سعت طهران إلى بناء شبكات نفوذ في عدد من دول المنطقة عبر حركات سياسية وعسكرية تدين لها بالولاء الأيديولوجي.

في هذا الإطار، ينظر العديد من الباحثين في شؤون الشرق الأوسط إلى السياسة الإيرانية باعتبارها مشروعاً توسعياً يسعى إلى بناء مجال نفوذ يمتد من الخليج إلى البحر المتوسط. وقد تجلى ذلك في حضور إيران القوي في عدة ساحات إقليمية، حيث أصبحت جزءاً أساسياً من موازين القوى في عدد من الأزمات.

لكن ما يثير قلقاً أكبر لدى كثير من دول الخليج هو البعد العقائدي الذي يحكم جزءاً من الخطاب السياسي داخل إيران. فبعض التيارات المرتبطة بالمذهب الجعفري السياسي تتبنى رؤية تاريخية تعتبر أن مراكز الثقل الديني في العالم الإسلامي، وفي مقدمتها مكة والمدينة والقدس، يجب أن تكون جزءاً من مشروع سياسي أوسع مرتبط بفكرة عودة المهدي المنتظر في العقيدة الشيعية الاثني عشرية.

ورغم أن هذه الأفكار لا تُترجم دائماً إلى سياسات رسمية معلنة، فإن حضورها في الخطاب الأيديولوجي لبعض المؤسسات الدينية والسياسية داخل إيران يثير مخاوف لدى الدول العربية، خصوصاً في منطقة الخليج التي ترى في هذا النوع من الخطاب مؤشراً على طموحات تتجاوز مجرد النفوذ السياسي إلى محاولة إعادة تشكيل الخريطة الدينية والسياسية للعالم الإسلامي.

لهذا السبب، ينظر العديد من صناع القرار في الخليج إلى إيران ليس فقط كقوة إقليمية منافسة، بل كدولة تحمل مشروعاً سياسياً وأيديولوجياً قد يتعارض في جوهره مع استقرار النظام الإقليمي العربي. ومن هذا المنطلق، يرى بعض المحللين أن المشكلة الأساسية لا تكمن في الشعب الإيراني أو في العلاقات الطبيعية بين الدول الإسلامية، بل في طبيعة النظام السياسي الذي يحكم إيران وفي العقيدة الجيوسياسية التي تحركه.

وفي ظل هذا الواقع، تصبح المعركة الإعلامية حول كيفية توصيف أفعال إيران في المنطقة أكثر حساسية. فالإعلام الذي يقلل من خطورة هذه السياسات أو يعيد صياغتها ضمن إطار صراع مع الولايات المتحدة فقط، قد يساهم – عن قصد أو من دون قصد – في إخفاء الأبعاد الأوسع للمشروع الإيراني في المنطقة.

إن ما يحدث اليوم في الخطاب الإعلامي حول الصراع مع إيران يعكس في الحقيقة طبيعة المعركة الأوسع التي تدور في الشرق الأوسط، وهي معركة السيطرة على الوعي العام قبل السيطرة على الأرض. فالصواريخ والطائرات المسيرة تشكل جانباً واحداً من الصراع، بينما تشكل الروايات الإعلامية الجانب الآخر الذي لا يقل تأثيراً.

ولهذا السبب، فإن النقاش حول دور الإعلام العربي في مثل هذه الأزمات يظل نقاشاً ضرورياً. فالقنوات الكبرى التي تمتلك تأثيراً واسعاً على الرأي العام تتحمل مسؤولية كبيرة في كيفية صياغة الأحداث وتقديمها للجمهور. فبين المهنية الصحفية ومتطلبات السياسة، يبقى التحدي الحقيقي هو الحفاظ على التوازن الذي يمنع الإعلام من التحول إلى أداة غير مباشرة في خدمة السرديات التي قد تتجاهل المخاطر الاستراتيجية التي تواجهها المنطقة.



Source link

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق