الجماهير الإفريقية تحول مدرجات “كان المغرب” لمسرح للثقافة والهوية

admin11 يناير 2026آخر تحديث :
الجماهير الإفريقية تحول مدرجات “كان المغرب” لمسرح للثقافة والهوية


يواصل المغرب إبهار العالم بتنظيمه المتميز لبطولة كأس الأمم الإفريقية 2025، في نسخة تُعد من بين الأنجح على مستوى التنظيم، البنية التحتية، وجودة الملاعب.

وبالتوازي مع ذلك، تواصل المنتخبات المشاركة تقديم عروض كروية وتقنية راقية زادت من حدة التنافس والإثارة، غير أن المشهد لم يقتصر على المستطيل الأخضر فقط، بل امتد إلى المدرجات، حيث خطفت الجماهير الإفريقية الأضواء، مؤكدة مرة أخرى أن كأس أمم إفريقيا ليست مجرد بطولة كروية، بل تظاهرة ثقافية وإنسانية بامتياز.

فقد تجاوزت الاحتفالات الجماهيرية في هذه النسخة حدود التشجيع التقليدي، لتتحول إلى مرآة تعكس من خلالها إفريقيا ذاتها، بحضارتها، تاريخها، وخصوصياتها الثقافية المتنوعة، في لوحات فنية نابضة بالحياة، اختلط فيها الرقص بالموسيقى، والألوان بالرموز، والفرح بالذاكرة الجماعية للشعوب الإفريقية.

رقصات مميزة، أهازيج رنانة، أزياء تقليدية وأحيانًا “غريبة” في أعين المتابعين من خارج القارة، كلها أشكال احتفالية رافقت الجماهير الإفريقية على مدار تاريخ كأس أمم إفريقيا. غير أن نسخة المغرب 2025 عرفت عودة قوية لهذه المظاهر، التي زينت مدرجات الملاعب، ليس فقط بهدف دعم المنتخبات، بل للتعبير عن ثقافة وهوية متجذرة في عمق التاريخ الإفريقي.

فالجماهير لم تحضر إلى الملاعب كمتفرج عادي، بل كفاعل ثقافي، يحمل معه رموزه، موسيقاه، وألوانه، ويحول المدرجات إلى فضاءات مفتوحة للتعبير الفني والتواصلي بين شعوب القارة.

ولا يمكن الحديث عن جماهير كأس أمم إفريقيا 2025 دون التوقف عند بعض الأسماء والشخصيات التي أصبحت أيقونات حقيقية داخل المدرجات، ونجحت في جذب أنظار الإعلام الدولي، وليس فقط جمهور القارة الإفريقية.

من بين أبرز هذه الشخصيات، يبرز اسم المشجع الكونغولي ميشيل كوكا مبولادينغا، الذي تحوّل إلى حديث وسائل الإعلام العالمية.

فقد اختار هذا المشجع أن يقف طيلة 90 دقيقة بوضعية ثابتة ومميزة، مرتديًا لباسًا يحمل ألوان بلده الكونغو الديمقراطية، في مشهد رمزي قوي، أراد من خلاله إحياء ذكرى أحد أبرز مناضلي القارة الإفريقية، الزعيم الراحل باتريس لومومبا.

وبهذا الفعل، لم يكن كوكا يشجع منتخب بلاده فقط، بل أعاد إحياء صفحة من التاريخ الإفريقي النضالي، مؤكدًا أن مدرجات كرة القدم يمكن أن تتحول إلى فضاءات للذاكرة والتذكير بالرموز التاريخية التي شكلت وعي القارة.

وفي الجهة الأخرى، خطفت المشجعة الجنوب إفريقية الشهيرة “ماما جوي” الأضواء، بحضورها الدائم في مدرجات كأس أمم إفريقيا، وبزينتها المعهودة التي تطغى عليها الألوان الزاهية، مثل الأصفر، الأخضر، والأحمر.

حضور “ماما جوي” لا يقتصر على التشجيع فقط، بل يعكس طاقة إيجابية وروح فرح تنتقل بسرعة إلى الجماهير من حولها، لتصبح جزءًا من المشهد الكرنفالي الذي يميز البطولة، ورمزًا من رموز الشغف الكروي الإفريقي.

كما مكنت هذه النسخة من متابعة الجماهير الكاميرونية، التي لا تزال تحافظ على طابعها الخاص، من خلال أزيائها التقليدية وألوانها المميزة: الأصفر، الأحمر، والأخضر.

جماهير “الأسود غير المروضة” عُرفت تاريخيًا بصخبها وأهازيجها القوية، التي تعكس ما تسميه بـ”الهيملي”، الذي يمثل روح المحارب.

وتُجسد هذه الأهازيج والأغاني الصاخبة طبيعة الحياة في بعض مناطق الكاميرون، حيث ترتبط الثقافة الشعبية بالشجاعة، الصمود، ومواجهة التحديات، وهي قيم تنتقل من المدرجات إلى اللاعبين فوق أرضية الميدان.

تتميز الجماهير الإفريقية كذلك برقصاتها المتنوعة، التي ترتبط بشكل مباشر بثقافتها وتاريخها، وتُعدّ من أقدم أشكال التعبير الإنساني في القارة. فالرقص في إفريقيا لم يكن يومًا مجرد وسيلة للترفيه، بل لغة كاملة للتواصل قبل تطور اللغة المكتوبة.

تاريخيًا، استُخدم الرقص في الطقوس الدينية، الاحتفالات الزراعية، طقوس العبور، كما استُعمل لتشجيع محاربي القبائل على مواجهة الحيوانات المفترسة وسط الأدغال الإفريقية، بل وحتى في الحروب، لرفع المعنويات وتعزيز روح الجماعة.

ويمتاز الرقص الإفريقي بارتباطه الوثيق بالإيقاع والطبول، حيث تُجسد الحركات الجسدية العلاقة بين الإنسان والطبيعة والروح والجماعة. كما شكّل أداة فعالة لنقل التاريخ الشفهي والهوية الجماعية من جيل إلى آخر، محافظًا على الذاكرة الثقافية للشعوب الإفريقية.

ومع مرور الزمن، انتقل الرقص من القرى والساحات التقليدية إلى المسارح والمدرجات الرياضية، ليصبح اليوم جزءًا لا يتجزأ من صورة الثقافة الإفريقية في المحافل القارية والدولية، وعلى رأسها كأس أمم إفريقيا.

وفي هذا السياق، أكد الحسين بويعقوبي، أستاذ الأنتروبولوجيا بجامعة ابن زهر بأكادير، في تصريح لجريدة “مدار21″، أن أشكال التشجيع تعكس بالأساس مستوى تطور المجتمع الذي ينتمي إليه المشجعون، ومدى انفتاحهم على ثقافات أخرى.

وأوضح بويعقوبي أن أشكال التشجيع لدى جماهير كرة القدم “لا تنفصل عن مستوى تطور المجتمع الذي ينتمي إليه المشجعون، ومدى انفتاحهم على أشكال التشجيع في المجتمعات الأخرى، من خلال ارتباطهم بمواقع التواصل الاجتماعي ومتابعتهم للدوريات الأجنبية والملتقيات الكروية الدولية”.

وتابع “وبما أن المجتمعات الإفريقية، خاصة في إفريقيا جنوب الصحراء، في غالبيتها ما تزال تغلبها ثقافتها المحلية، فمن الطبيعي أن ينعكس ذلك على طريقتهم في التشجيع”.

وللتوضيح أكثر حول ما تعكسه هذه الاحتفالات، أضاف الأكاديمي ذاته: “لا يجب أن ننظر إلى أشكال التشجيع لدى الجماهير الإفريقية على أنها تقليدية، ونصدر بذلك حكماً قيمياً عليها مقارنة بأشكال التشجيع في الغرب. بل على العكس، فإن حضور الحمولة الثقافية لكل شعب في طريقة تشجيعه لفريقه يعطي لكرة القدم نكهة أخرى، من خلال خلق فرص للتعرف على ثقافات الآخرين، والتلاقح الثقافي، ويعزز مبدأ التنوع الثقافي الذي يجب الحفاظ عليه”.

ولذلك، يرى بويعقوبي أنه “إذا كانت العولمة قدرا محتوما، فلا يجب أن تقضي على التعدد الثقافي، ولا على تنوع أشكال التشجيع، كل حسب ثقافته.”

وأشار الأستاذ الجامعي إلى أن الجماهير لا تقدم دائمًا دلالات ورسائل إيجابية، وهو ما يستدعي الحذر من الرسائل السلبية، المرتبطة أساسًا بخطابات العنف، العنصرية، والكراهية.

وأبرز بالصدد ذاته أن “رسائل الجماهير كثيرة، منها ما هو إيجابي وما هو سلبي. فالرسائل السلبية يجب تجنبها، خاصة خطابات العنصرية والكراهية والعنف، لكن الإيجابي هو تحويل مدرجات الملاعب إلى فضاءات للتنشئة الاجتماعية، ونشر القيم العليا، والتعريف بثقافات الشعوب في تعددها وتنوعها”، مضيفا “وفي ذلك تتنافس الجماهير لإظهار ثقافتها (في اللغة، الألحان، الأهازيج، اليافطات، الألوان، اللباس، والأقنعة…) في أبهى صورها. كما أن أي تصرف غير لائق من الجماهير يسيء لصورة بلدها”.

وختم كلامه الحسن بويعقوبي بتوضيح الأسباب وراء اختيار الجماهير الإفريقية للتعبير عن ذاتها من خلال مدرجات كرة القدم، قائلاً: “المدرجات، خاصة في المغرب التي تستقبل آلاف الجماهير، وبفضل المتابعة الإعلامية الواسعة للمباريات، تمثل فرصة سانحة للتعبير بحرية. ولذلك، قد تحمل بعض الجماهير شعارات سياسية أو مطالب اجتماعية، وأحيانًا قضايا دولية، كل حسب توجهه. فإذا كانت الحرية تضيق في الشارع العام للتعبير عن بعض المواقف، فإن مدرجات الملاعب تسمح بذلك”.

من جانبه، يرى الأستاذ الباحث أحمد سكونتي، خبير التراث الثقافي من المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، شعبة الأنثروبولوجيا، أن الرجوع إلى الأشكال الاحتفالية هو محاولة من الشعوب لمواجهة آثار العولمة.

وأوضح سكونتي، في تصريح لجريدة “مدار21″، أن “الرجوع للتراث والثقافة هي ظاهرة عالمية نراها في العالم كله، وهي مرتبطة بالعولمة، حيث إنه في الوقت نفسه الذي نلاحظ فيه تسارع وتيرة العولمة، تتزايد مخاوف الشعوب من الانصهار في ثقافة موحدة تخفي معها ملامح الثقافات المحلية”.

وأضاف في السياق ذاته: “الشعوب تعود لما يميزها وما يشكل خصوصيتها لكي ترتبط به، وهنا التراث يمثل للشعوب فرصة لإبراز خصوصيتها، بالرغم من مشاركتها في العولمة”.

واعتبر الخبير في التراث الثقافي أن ما نلاحظه اليوم في مدرجات كأس أمم إفريقيا هو محاولة من الجماهير لإظهار المزيد من الخصوصية الثقافية الخاصة بهم، مع الإشارة إلى نقطة أساسية تتعلق بالروح الوطنية لهذه الجماهير التي تتجاوز حدود الثقافات المحلية وتتحد خلف ثقافة وطنية واحدة.

وزاد موضحا: “يمكننا ملاحظة أن هذه الجماهير، وهي تشجع منتخباتها الوطنية بالأعلام، والألوان، والأشكال الموسيقية، والآلات الموسيقية، يظهر جليًا البعد الوطني وروح الوطنية أكثر من الثقافات المحلية”.



Source link

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق