“الحصار الصامت”.. كيف يحرك المغرب تدريجيا أوراق ضغط اقتصادية ودبلوماسية تُفاجئ الجزائر؟

adminمنذ 4 ساعاتآخر تحديث :
“الحصار الصامت”.. كيف يحرك المغرب تدريجيا أوراق ضغط اقتصادية ودبلوماسية تُفاجئ الجزائر؟


في الجزائر، لا يكاد أي تحرك موجه إلى المغرب في سياق “الحرب الباردة” التي تدور رحاها بين البلدين منذ نحو 7 سنوات، ينفصل عن خطاب إعلامي يُسوَّق على أنه “انتصار جديد” يُدون في سجلات انتصارات الثنائي عبد المجيد تبون، رئيس الجمهورية، والسعيد شنقريحة، قائد أركان الجيش، اللذان جعلا من المملكة “العدو الكلاسيكي”، وفق ما يجري تداوله على المستوى الرسمي والإعلامي.

هذا الخطاب الجزائري، الموجه أساسا للاستهلاك الداخلي، في سياق أشمل يرتبط بمحاولة ضبط الشارع وتفادي تكرار سيناريو “حراك 2019″، يُواجَه في المغرب، على المستوى الرسمي، بسياسة “اليد الممدودة” التي رسخها الملك محمد السادس في عدة خطابات، والتي تتحول أيضا إلى خطاب إعلامي داخلي وخارجي يصوِّر الرباط على أنها تميل أكثر إلى “الهدوء والاتزان”.

لكن عمليا، لا يعني الخطاب الدبلوماسي الرسمي أن المملكة لا تتوفر على أوراق ضغط، تلعبها بين الفينة والأخرى في مواجهة جارتها الشرقية، وترُد من خلالها على الخطوات التي تضرب مصالحها السياسية والاقتصادية، حتى راكمت، تدريجيا، نوعا من “الحصار الصامت” الذي لا يتحدث عنه المغرب ولا تستطيع الجزائر البوح بأضراره الحقيقية.

قبل أيام من أولى جولات المفاوضات حول ملف الصحراء، التي ترعاها الولايات المتحدة الأمريكية، من أجل تنفيذ قرار مجلس الأمن 2797 حول الصحراء الذي يدعوا جميع “الأطراف” إلى التفاوض على أساس المقترح المغربي للحكم الذاتي، تحرك الجيش الجزائري منطقة صغيرة اسمها “قصر إيش”، تقع في منطقة حدودية غير مُرَسَّمة بين المغرب والجزائر، يقطنها العشرات من المواطنين المغاربة الذين يمارسون الزراعة المعيشية هناك منذ عقود.

وسائل الإعلام الجزائرية روجت لروايةٍ مفادها أن الجيش الجزائري تحرك بناء على اتفاقية ترسيم الحدود لسنة 1972، من أجل استرجاع جزء من الأراضي الجزائرية، وبغض النظر عن أن الاتفاقية غير مُطبقة أساسا، فإن العملية برمتها كانت عبارة عن “استعراض للعضلات” أمام سكان قرويين عزل، بلغت ذروتها بإطلاق الرصاص في الهواء وحرق المنازل، كي يكتمل مشهد “الانتصار” أمام وسائل الإعلام المحلية.

على الجانب الآخر لم يَرُد المغرب بشكل رسمي، وحتى حديث السلطات المحلية لإقليم فجيج مع المتضررين من أجل توضيح ما يحدث، كان شفويا دون أي تفاعل مُعلن ولا أي التزام مكتوب، لكن بعدها بأيام، ودون مقدمات عاد إلى الواجهة مشروع سد “خنك ݣرو” خامس أكبر سدود المملكة، بسعة تخزين تتخطى المليار متر مكعب، والذي أكدت وزارة التجهيز والماء بأن الانتهاء منه سيكون في 2027.

هذا المشروع ليس جديدا، فالعمل به متواصل منذ 2024 بجحم استثمارات تصل إلى 1,2 مليار درهم، لكن الجديد هو وصوله إلى نسبة أشغال بلغت 60 في المائة، وأيضا الكشف عن إنجاز ما 16 سدا صغيرا على تراب جهة درعة – تافيلالت، و14 سدا مماثلا بالجهة الشرقية، وكلاهما جهتان حدوديتان مع الجزائر، علما أن هذه الأخيرة تعتمد كثيرا لضمان أمنها المائي على المياه القادمة من حوض “كير زيز غريس” المغربي الذي يشمل إقليم فجيج.

انعكاس ذلك قد يكون كارثيا على الجزائر، ليس فقط بخصوص التزود بالمياه، في ظل معاناة ولايات الغرب والشمال من أزمة جفاف السدود، على غرار سد بخدة في ولاية تيارت التي عاشت احتجاجات اجتماعية نتيجة انقطاع الماء سنة 2024، ولكن أيضا اقتصاديا، على اعتبار أن عمليات التعدين في “غار جبيلات” تحتاج بكميات هائلة من المياه لاستخراج الحديد، والذي سيكون على الدولة تأمينه من ولايات الشمال بتكاليف إضافية في ظل المردودية المبهمة للمشروع ككل.

معركة المياه هذه يخوضها المغرب في صمت منذ سنوات، واتضحت معالمها مع تشغيل سد قدوسة سنة 2021، بطاقة استيعابية تبلغ 220 مليون متر مكعب، أي خُمس الطاقة الاستيعابية الإجمالية لسد فجيج الجديد، لكن أثرها كان كبيرا على منشأة “واد زوزفانة” رابع أكبر سد في الجزائر، لدرجة أن وزير الموارد المائية الجزائري، طه دربال، أبدى غضبه بشكل علني في تصريحات تعود لسنة 2024، من “إخلال إحدى الدول المجاورة بالتوازن البيئي” على حد توصيفه.

على مشارف الحدود الجزائرية دائما، البحرية هذه المرة، يخوض المغرب معركة اقتصادية أخرى يبدو فيها متفوقا بشكل ساحق على جيرانه، ويتعلق الأمر بإنشاء ميناء الناظور – غرب المتوسط، الذي قرر الملك محمد السادس بشكل رسمي تدشينه قبل متم 2026، في موقع لا يبعد كثيرا عن شواطئ السعيدية، التي كان مجموعة من الشبان المغاربة يستمتعون بيومهم فيها ذات صيف قريبٍ قبل أن يطلق عليهم جنود جزائريون النار بعدما تخطت دراجاتهم المائية خط الحدود عن غير قصد.

قضية الموانئ، تمثل عبئا تاريخيا على الجزائر أمام المغرب، لدرجة أنها حين قررت بداية سنة 2024 منع دخول البضائع الأجنبية التي يتم شحنها عبر الموانئ المغربية، وخصوصا ميناء طنجة المتوسطي، عادت ورفعت تلك القيود بعدها بأيام بالنظر لارتفاع الكُلفة، وفي الوقت نفسه كانت السلطات تستعد لإطلاق رصاصة الرحمة على مشروع “ميناء الحمدانية” الموعود.

ميناء “الحمدانية” في شرشال، ظل يُقدم طيلة 10 سنوات من طرف المسؤولين الجزائريين ووسائل الإعلام المحلية، على أنه سيمثل “ضربة” لميناء طنجة المتوسط، لكن في منتصف 2025 ستُطوى صفحته رسميا بقرار من الرئيس عبد المجيد تبون، وتوجيه الاستثمارات من أجل تطوير البنيات المينائية الموجودة حاليا، مع تسليم الأمر إلى مجموعة CMA CGM الفرنسية المتخصصة في الشحن البحري والحاويات، والتي يملكها رجل الأعمال الفرنسي اللبناني رودولف سعادة، المعروف بقربه من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

بعدها بأشهر، وتحديدا في 28 يناير 2026، سيترأس الملك محمد السادس، بالقصر الملكي بالدار البيضاء، اجتماع عمل، خصص للمركب المينائي والصناعي الجديد الناظور – غرب المتوسط، الموجود على مرمى حجر من الحدود الجزائرية، وذلك في أفق الإطلاق التشغيلي لهذا الميناء خلال الربع الأخير من هذه السنة، وفق ما أعلن عنه الديوان الملكي.

هذا المشروع يعني، بشكل صريح، إحكام المغرب قبضته على المدخل الغربي لحوض البحر الأبيض المتوسطي، فالأمر يتعلق بمركب مينائي من الجيل الجديد، معزز بمنصة صناعية ولوجستية وطاقية واسعة، واستقطب استثمارات عمومية وخاصة بلغت 51 مليار درهم، أي أكثر من الاستثمارات القصوى التي كانت تبتغي الجزائر جمعها لصالح ميناء الحمدانية، والمقدر قيمتها بما بين 3 و5 مليارات دولار.

احتكاك هذا الميناء مع مصالح الجزائر يبرز بشكل أوضح من خلال مركزه الطاقي، الذي سيضم أول محطة للغاز الطبيعي المسال في المملكة، بطاقة استيعابية سنوية تبلغ 5 مليارات متر مكعب، بالإضافة إلى محطة للمحروقات، من أجل “الاستجابة إلى السيادة الطاقية للمملكة”، هذا بالإضافة إلى أن طاقته الاستيعابية السنوية ستنطلق بـ5 ملايين حاوية ثم ستصل على المدى البعيد إلى 12 مليونا.

أوراق المغرب التي يلعبها في مواجهة الجزائر، بعيدا عن الأنظار، لا تقتصر على الجانب الاقتصادي فقط، بل تمتد أيضا لما هو دبلوماسي، وفي هذا السياق استطاعت الرباط تدريجيا إيصال كرة النار المتمثل في الطرح الانفصالي، من الصحراء جنوب أراضيها، إلى منطقة القبائل شمال الأراضي الجزائرية المطلة على حوض البحر الأبيض المتوسط.

في 14 دجنبر 2025، أعلن فرحات مهني، رئيس حركة تقرير مصير منطقة القبائل، عن “قيام الجمهورية” من العاصمة الفرنسية باريس، التي تحتضن مقر “حكومة المنفى”، بعدما كان قد راسل مجلس الأمن، في يناير من العام نفسه، في شخص رئيسه الدوري حينها، سفير الجزائر عمار بن جامع، لإدراج حق القبائليين في تقرير المصير جدول أعمال الأمم المتحدة.

على المستوى المؤسساتي الرسمي، لا يعترف المغرب بما يسمى “جمهورية القبائل”، ولا يدعم انفصال المنطقة عن الأراضي الجزائرية، غير أن هذه الورقة ظلت موجودة في درج تمثيليته لدى الأمم المتحدة في نيويورك لسنوات، قبل أن يشرع في استخدامها على فترات في سياق “محاصرة” الدفاع المستميت للجزائر على ما تعتبره “حق تقرير المصير” في الصحراء.

هذا الأمر برز في 2021، حين خاطب السفير الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة، وزير الخارجية الجزائري حينها، رمطان العمامرة قائلا إن هذا الأخير “يقف كمدافع قوي عن حق تقرير المصير، لكنه ينكر الحق نفسه لشعب القبائل، أحد أقدم الشعوب في إفريقيا، والذي يعاني من أطول احتلال أجنبي، على حد تعبيره، وتابع قائلا أن “تقرير المصير ليس مبدأ مزاجيا، ولهذا السبب يستحق شعب القبائل الشجاع، أكثر من أي شعب آخر، التمتع الكامل بحق تقرير المصير”.

وفي 2022 سيُعاود هلال طرح الأمر مجددا، ردا على السفير الجزائري لدى الأمم المتحدة حينها نادر العرباوي، قائلا “أنتم تطالبون بتقرير المصير لـ20 ألف شخص تحتجزونهم في مخيمات تندوف، لكنكم تصادرون حق سكان يبلغ عددهم 12 مليون نسمة”، وأضاف “شعب القبائل خضع للاستعمار العثماني ثم الفرنسي والآن الجزائري”، معربا عن أسفه لكون الأمر يتعلق بأطول احتلال في تاريخ إفريقيا، وتساءل “لماذا لا تسمح الجزائر لشعب القبائل بتقرير مصيره والتعبير عن نفسه واختيار مصيره بحرية، على غرار ما تطالب به لسكان مخيمات تندوف؟”.

وهذا التلويح المغربي بقضية القبائل من داخل الأمم المتحدة، تحول تدريجيا إلى وجع رأس بالنسبة للسلطات الجزائرية، خصوصا بعد تداول إعلان تأسيس “الدولة القبائلية” عبر مؤسسات إعلامية دولية، في حين تلوح حركة “الماك” بتحريك الملف أمام اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، باعتبار أن الأمر يتعلق بقضية “تصفية استعمار”.



Source link

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق