الحكومة تتحدث عن مخزون مريح يتجاوز 617 ألف طن وأسعار الوقود تقفز بدرهمين.. من يضبط سوقاً تهيمن عليه 9 شركات ويحمي المستهلك من تغول لوبيات المحروقات؟

adminمنذ 59 دقيقةآخر تحديث :
الحكومة تتحدث عن مخزون مريح يتجاوز 617 ألف طن وأسعار الوقود تقفز بدرهمين.. من يضبط سوقاً تهيمن عليه 9 شركات ويحمي المستهلك من تغول لوبيات المحروقات؟


عاد ملف المحروقات في المغرب إلى واجهة النقاش العمومي مع الزيادات الجديدة التي شهدتها أسعار الوقود في محطات التوزيع فضلا عن الطريقة التي تم بها تطبيقها بعدما تحدث مستهلكون ومتابعون للقطاع عن قيام بعض المحطات بتغيير الأسعار قبل الموعد المعتاد لتفعيلها.

وهذه الواقعة أعادت إلى الواجهة النقاش حول كيفية اشتغال سوق المحروقات في المملكة منذ قرار تحرير الأسعار سنة 2015، وهو القرار الذي نقل تحديد أسعار الوقود من يد الدولة إلى آليات السوق وربطها مباشرة بتطورات الأسعار الدولية وهوامش التوزيع التي تعتمدها الشركات.

وقد عكس ما وقع وفق ما عاينته “الصحيفة” حالة من الارتباك داخل السوق، حيث أن إعلان الزيادات من طرف فيدراليات تمثل مهنيي القطاع أوحى بوجود نوع من التنسيق بين الفاعلين الاقتصاديين، وهو ما فرض طرح تساؤلات حول مدى احترام مقتضيات القانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة، الذي ينص على أن الأسعار يجب أن تتحدد وفق قواعد العرض والطلب ويمنع في الوقت نفسه الاتفاقات أو الممارسات التي قد تعرقل المنافسة أو تؤثر في تكوين الأسعار داخل السوق.

كما تحدث مستهلكون لـ “الصحيفة” مساء أمس الأحد عن امتناع بعض المحطات عن بيع الوقود خلال ساعات مع تقديم تبريرات مرتبطة بأعطاب تقنية أو انقطاع الكهرباء، قبل أن تعود إلى العمل بعد دخول الأسعار الجديدة حيز التنفيذ وهو ما اعتبره متابعون مؤشرا على اضطراب في تدبير السوق في لحظات تغيير الأسعار.

غير أن هذه الوقائع رغم أهميتها، لا تمثل سوى جزء من الصورة الأوسع لسوق المحروقات في المغرب، وهي سوق استراتيجية تمس بشكل مباشر القدرة الشرائية للمواطنين وكلفة الإنتاج بالنسبة للمقاولات فالمعطيات الرسمية الصادرة عن مجلس المنافسة تكشف أن هذه السوق تتميز بدرجة تركيز مرتفعة نسبيا حيث يهيمن عدد محدود من الشركات الكبرى على الجزء الأكبر من النشاط في الاستيراد والتخزين والتوزيع.

وتشير هذه المعطيات إلى أن ثلاث شركات رئيسية فقط، هي Afriquia SMDC وVivo Energy Maroc وTotalEnergies Marketing Maroc، تستحوذ مجتمعة على أكثر من نصف سوق توزيع المحروقات في المغرب، في حين تسيطر الشركات التسع الكبرى العاملة في القطاع على نحو 84 في المائة من السوق الوطنية وتتحكم في حوالي 72 في المائة من شبكة محطات الوقود المنتشرة في البلاد.

وتظهر خريطة الفاعلين في هذا القطاع أن شركة “أفريقيا” التابعة لمجموعة “أكوا كروب” والمملوكة لرئيس الحكومة عزيز أخنوش تعد أكبر فاعل في سوق توزيع الوقود في المغرب، إذ تدير شبكة واسعة من محطات الوقود وتمثل أحد أبرز الموزعين في البلاد.

وتشير التقديرات المرتبطة بسنة 2025 إلى أن رقم معاملات نشاط توزيع الوقود التابع للمجموعة يناهز أزيد من 30 مليار درهم سنويا، ما يضعها في مقدمة شركات توزيع المحروقات من حيث حجم النشاط داخل السوق المغربية ويكتسب هذا المعطى بعدا سياسيا إضافيا بالنظر إلى هوية مالكها رجل الأعمال عزيز أخنوش الذي يشغل حاليا منصب رئيس الحكومة وهو ما يجعل ملف المحروقات في كثير من الأحيان يتجاوز كونه نقاشا اقتصاديا صرفا ليصبح موضوعا سياسيا يطرح أسئلة حول تنظيم السوق وحدود المنافسة في قطاع استراتيجي.

وتعكس الأرقام الاقتصادية المرتبطة بهذا القطاع حجمه الكبير داخل الاقتصاد الوطني، إذ تشير المعطيات الصادرة عن مجلس المنافسة إلى أن الشركات التسع الكبرى العاملة في توزيع المحروقات حققت رقم معاملات يقارب 78 مليار درهم خلال سنة 2025، في حين بلغ حجم المبيعات في السوق الوطنية نحو 7,3 مليارات لتر من الوقود خلال السنة نفسها، موزعة أساسا بين الغازوال والبنزين.

وتظهر المعطيات ذاتها أن هوامش الربح الصافية لشركات التوزيع بلغت في المتوسط حوالي 0,43 درهم للتر بالنسبة للغازوال و0,61 درهم للتر بالنسبة للبنزين خلال السنة نفسها، وهي مستويات تختلف تبعا لتطورات الأسعار الدولية لكنها تظل جزءا من السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك في محطات الوقود إلى جانب الضرائب وتكاليف النقل والتخزين والتوزيع.

لكن النقاش حول سوق المحروقات لا يتوقف عند مستوى الأسعار وهوامش الربح فقط، بل يمتد أيضا إلى مسألة الأمن الطاقي للبلاد وخاصة ما يتعلق بالمخزون الاستراتيجي من المنتجات البترولية.

وهنا القانون المغربي يلزم شركات توزيع المحروقات بالاحتفاظ بمخزون احتياطي يغطي ما لا يقل عن ستين يوما من الاستهلاك الوطني، بهدف ضمان استمرارية التموين في حال حدوث اضطرابات في الأسواق الدولية أو في سلاسل الإمداد غير أن التصريحات الحكومية خلال السنوات الأخيرة تكشف أن هذا الهدف لم يتحقق فعليا، إذ أكدت وزارة الانتقال الطاقي في عدة مناسبات واخرها قبل أسابيع المخزون الوطني من المحروقات آمن ومتحكم فيه حيث يفوق 617 ألف طن مع وجود أكثر من مليون طن إضافية قيد التفريغ وتكفي مخزونات البنزين لنحو 88 يوماً والغازوال لنحو 54 يوماً مع تأكيدات بضمان الإمدادات العادية رغم الظروف المناخي.

غير أن هذه المعطيات التي قدمتها الحكومة حول مستوى المخزون أعادت إلى الواجهة سؤالاً آخر يتعلق بكيفية انعكاس هذا الاحتياطي على الأسعار في السوق الداخلية فإذا كانت السلطات تؤكد أن المخزون الوطني “آمن ومتحكم فيه” وأن الإمدادات مضمونة رغم الاضطرابات الدولية والظروف المناخية، فإن الزيادات الأخيرة في أسعار المحروقات التي تجاوزت درهمين في اللتر أثارت تساؤلات لدى عدد من المتابعين حول العلاقة بين مستوى المخزون المعلن وسرعة انتقال تقلبات الأسعار الدولية إلى السوق المحلية.

ففي العادة، يفترض وجود مخزون استراتيجي مرتفع أن يمنح السوق هامشاً زمنياً يسمح بامتصاص جزء من الصدمات المرتبطة بارتفاع الأسعار في الأسواق الدولية، خاصة عندما يتعلق الأمر بارتفاعات ظرفية مرتبطة بتوترات جيوسياسية أو اضطرابات مؤقتة في الإمدادات لكن في الحالة المغربية يلاحظ أن أي تغير في أسعار النفط العالمية ينعكس بسرعة على الأسعار في محطات الوقود، وهو ما يطرح تساؤلات حول آليات تدبير المخزون داخل السوق ومدى تأثيره الفعلي على استقرار الأسعار.

ويشير متابعون لقطاع الطاقة إلى أن جزءاً من هذا النقاش يرتبط بطبيعة السوق بعد تحرير الأسعار سنة 2015 حيث لم تعد الدولة تتدخل في تحديد أسعار الوقود وأصبح السعر النهائي في محطات التوزيع يتحدد وفق تطور كلفة الاستيراد وهوامش التوزيع التي تعتمدها الشركات وفي هذا السياق، يمكن أن ترتفع الأسعار بسرعة بمجرد توقع ارتفاع كلفة الإمدادات المستقبلية، حتى وإن كانت المحطات تتوفر على مخزون تم شراؤه بأسعار أقل في فترات سابقة.

كما أن اعتماد المغرب شبه الكامل على استيراد المنتجات النفطية بعد توقف مصفاة “سامير” سنة 2015 جعل السوق الوطنية أكثر ارتباطاً بحركة الأسواق الدولية وبأسعار الشحن والتكرير في الخارج وفي ظل هذا الوضع، يرى عدد من الخبراء أن دور المخزون الاستراتيجي يظل مرتبطاً أساساً بضمان استمرارية التزويد وتفادي انقطاع الإمدادات، أكثر من كونه آلية مباشرة لضبط الأسعار داخل السوق.

ومع ذلك، فإن التباين بين الخطاب الحكومي الذي يؤكد توفر مخزون مريح من المحروقات، وبين الزيادات السريعة التي تشهدها الأسعار في محطات الوقود، يظل نقطة نقاش متكررة داخل الرأي العام والبرلمان، خاصة في سياق دولي يشهد تقلبات حادة في أسعار الطاقة ففي مثل هذه الظروف، يصبح السؤال المطروح ليس فقط حول حجم المخزون المتوفر، بل أيضاً حول مدى قدرة السوق الوطنية على استخدام هذا المخزون لتخفيف أثر الصدمات السعرية على المستهلكين.

ويأتي هذا النقاش في سياق دولي يتسم بتوترات متزايدة في أسواق الطاقة نتيجة الصراعات الجيوسياسية في عدد من المناطق المنتجة للنفط وهو ما يزيد من احتمالات اضطراب الإمدادات وارتفاع الأسعار وفي مثل هذه الظروف يصبح مستوى المخزون الاستراتيجي أحد المؤشرات الأساسية على قدرة أي دولة على حماية اقتصادها من التقلبات الحادة في الأسواق العالمية.



Source link

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق