اعتبر رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، محمد أعمارة، أن برامج ورش الحماية الاجتماعية لا يمكن أن تشكل لوحدها عنصراً من أجل صمود المجتمع المغربي في وجه الأزمات والصدمات الاجتماعية والاقتصادية والتكييف مع التقلبات المناخية، مبرزاً أن الحماية الاجتماعية، على أهمية أرقامها ومؤشراتها، ما تزال تعاني تحديات حقيقية.
وقال أعمارة، في الكلمة التي ألقاها ضمن أشغال المنتدى البرلماني الدولي العاشر للعدالة الاجتماعية، اليوم الإثنين، إنه رغم كل المؤشرات والأرقام الإيجابية الخاصة بحصيلة برامج الحماية الاجتماعية، إلا أن هناك إشكاليات حقيقية تستوجب رفعها لاستكمال التنزيل الأمثل لهذا الورش المجتمعي، حتى يبلغ كامل غاياته الإنسانية والتنموية.
وتابع المتحدث ذاته أن الحماية الاجتماعية على أهميتها لا يمكن أن تشكل وحدها أساس الصمود، مشيراً إلى أن الصمود الحقيقي يقوم على منظومة متكاملة من المقومات تؤهل الإنسان لمواكبة التحولات واغتنام الفرص وتحمل الصدمات والتكيف مع تقلبات الحياة.
ومن هذا المنطلق، يواصل عمارة أن بناء مجتمعات أكثر صموداً يقتضي بالضرورة تعزيز الأسباب والشروط الأساسية للتمنيع إزاء المخاطر والأزمات، وذلك باعتبارها دعامات حيوية لتحصين الأفراد والمجتمعات على حد سواء، مبرزاً أن من أهم هذه المقومات تثمين الرأسمال البشري من خلال إرساء منظومة تربية وتكوين وتعليم متاحة الولوج دامجة ومرنة وملائمة لمتطلبات سوق الشغل وانعكاسات التطور التكنولوجي بما يضمن الاندماج المهني ويعزز قابلية التشغيل ويقوي الإسهام في التنمية.
وشدد رئيس “المجلس الاقتصادي والاجتماعي” على أهمية حماية الفئات الهشة، لاسيما عبر تثمين اقتصاد الرعاية والاقتصاد الفضي كرافعتين للإدماج الاجتماعي وخلق فرص شغل مستدامة إلى جانب تعزيز منظومة دعم نقدي مباشر قائمة على الاستهداف الدقيق وفق معايير قابلة على التكيف مع تطور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للأفراد بما يصون الكرامة ويعزز القدرة على الصمود.
ودعم أعمارة أهمية تسريع الجهوية المتقدمة، في مسار تعزيز صمود المجتمع المغربي، بما يجعل المجالات الترابية فضاءً لخلق الثروة والإدماج وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية وتكريس مبدأي الإنصاف والتضامن، ملحا على أهمية النهوض بالقطاع الثالث الذي يجسد الاقتصاد الاجتماعي والتضامني لما يوفره من بدائل مستدامة لفئات واسعة من الساكنة تساهم في محاربة الفقر وتأهيل القدرات والإدماج الاقتصادي للفئات المعوزة.
وضمن الركائز التي أشار إليها من أجل بناء مجتمع متماسك وصامد أمام الأزمات، أورد المسؤول ذاته ضرورة تنويع النسيج الاقتصادي لاستيعاب مختلف الأنشطة الإنتاجية من خلال اعتماد تدابير جبائية وتنظيمية من شأنها تيسير الانخراط في القطاع المنظم والمهيكل، بالإضافة إلى أهمية النهوض بالابتكار والبحث العلمي خدمة للتنمية وتسريع التحول الرقمي من خلال اعتماد التكنولوجيات الرقمية وحلول الذكاء الاصطناعي في خدمة الإدماج الاقتصادي وفك العزلة عن المناطق النائية وتوفير خدمات القرب والنهوض بالشتغيل وضمان شفافية المعاملات والحد من الوساطة غير المنتجة.
وركز رئيس المؤسسة الدستورية على أهمية توفير الأمن الغذائي والمائي لكونهما ركيزتان أساسيتان للصمود في ظل التغيرات المناخية مع تعزيز آليات التكيف مع هذه التحديات التي أصبحت واقعاً ملموسا، من خلال مقاربات استباقية تقوم على تأهيل العنصر البشري وملاءمة الأنشطة الفلاحية والاقتصادية والبنيات التحتية.
واعتبر أعمارة “عالم اليوم يتغير بوتيرة غير مسبوقة وتحدياته لم تعد معزولة أو ظرفية، وإنما بنوية ومتداخلة”، مشيراً إلى أنه “لم يعد صمود المجتمعات خياراً بل ضرورة استراتيجية”.
وأضاف أن “هذا الصمود لا يمكن أن يتحقق إلا عبر سياسات عمومية دامجة وفعالة اقتصاديا ومنصفة اجتماعياً ومستدامة بيئياً”، مبرزاً أن “صمود المجتمعات لم يعد يقاس فقط بقدرتها على النمو والتقدم وإنما بما تتوفر عليه من مقومات لحماية مواطنيها في أوقات الأزمات وضمان الكرامة وتكافؤ الفرص والإنصاف”.
وأوضح المتحدث ذاته أن “العدالة الاجتماعية، من هذا المنطق، ليست هدفا في حد ذاته بل إصلاح ممتد ومفتوح يتفاعل مع التحولات ويتسبق المخاطر”، مشيراً إلى أن “ورش تعميم الحماية الاجتماعية يشكل أحد أبرز تجليات هذا الخيار الاستراتيجي الذي أرسى دعائمه الملك، في إطار بناء دولة اجتماعية من الجيل الجديد”.
وتابع أنه في هذا السياق تم اعتماد منظومة متكاملة الأبعاد انطلقت بصدور القانون الإطار 09.21 المتعلق بالحماية الاجتماعية وما تلى ذلك من برامج وتدابير تنفيذية مكنت من تحقيق مكاسب ملموسة، لافتاً إلى أن “من أبرز هذه الأرقام الإيجابية بلوغ نسبة المسجلين في التأمين الإجباري الأساسي عن المرض حوالي 88 في المئة من المواطنين مقابل أقل من 60 في المئة سنة 2020، إلى جانب استفادة أكثر من 11 مليون مواطن من نظام “أمو تضامن” واستفادة حوالي 4 ملايين أسرة من الدعم الاجتماعي المباشر”.
