المغرب نيوز

الخطة الخمسية الخامسة عشرة للصين.. استراتيجية من ثلاثة مستويات!

الخطة الخمسية الخامسة عشرة للصين.. استراتيجية من ثلاثة مستويات!


دخلت الخطة الخمسية الخامسة عشرة، التي تهدف إلى تحديد التوجهات الاستراتيجية للصين للفترة 2026-2030، حيز التنفيذ في مارس 2026 بعد الاجتماعات السنوية للمؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني (4 مارس) والجمعية الوطنية الشعبية (5 مارس) التي تم خلالها اعتماد البرنامج التفصيلي الذي يترجم أولوياتها إلى أهداف رقمية ومشاريع عملياتية.

منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية في عام 1949، تشكل الخطط الخمسية أحد الأدوات الأساسية للحكامة الاقتصادية والاجتماعية في الصين.  مستوحاة في الأصل من التخطيط السوفييتي، تطورت تدريجياً لتصبح أطرًا استراتيجية توجه التنمية على المدى المتوسط والطويل للبلاد.

منظم في خمس عشرة جزءًا وواحد وستين قسمًا فرعيًا، يشكل هذا المخطط خريطة طريق وطنية تغطي الاقتصاد، التعليم، الصحة، الدفاع، الانتقال البيئي، الابتكار، الأمن، إعادة توحيد الصين والانفتاح الدولي.

بناء نظام صناعي حديث حول مفهوم “القوى المنتجةً من النوع الجديد” هو حجر الزاوية في الخطة الخمسية الخامسة عشرة.  لم يعد الأمر يتعلق بالنمو الموسع، بل بنموذج جديد لخلق الثروات قائم على الاختراقات التكنولوجية، والتخصيص الذكي لعوامل الإنتاج (البيانات، رأس المال التكنولوجي، المواهب) والتحول المنهجي للقطاعات التقليدية.  ولهذه الأغراض، تعمل الصين على وضع استراتيجية قائمةً على ثلاثة مستويات: تحديث القطاعات التقليدية، تطوير الصناعات الناشئة، الاستثمار في تكنلوجيا المستقبل.

تحديث القطاعات التقليدية (المناجم، المعادن، الكيمياء، الهندسة الميكانيكية، صناعة السفن…)، التي تشكل حتى الآن 80% من النسيج الصناعي للصين.  الهدف هو إعادة تشكيلها من خلال الأتمتة، الرقمنة، والتخضير.  التحول، الذي يتميز بحجمه غير المسبوق، من المتوقع أن يولد بمفرده حوالي000 10 مليار يوان (1.370 مليار يورو) على مدى خمس سنوات، أي أكثر من 7% من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2025.

تطوير الصناعات الناشئة، المحركات الحقيقية للنمو.  يحدد المخطط خمسة قطاعات: الصناعة المرتبطة بالرقمنة (الذكاء الاصطناعي، قوة الحوسبة)؛ أشباه الموصلات؛ السيارات الكهربائية؛ الروبوتات؛ والصيدلة الحيوية.  نقطة قوتهم المشتركة: كثافة تكنولوجية عالية، بصمة كربونية منخفضة، وقدرة على توفير مناصب شغل مؤهلة.  الاستثمار في تكنلوجيا المستقبل، رهان على المدى الطويل جداً.  وتراهن الصين أيضًا على تقنيات لا تزال حديثة النشأة: الكم، التصنيع البيولوجي، الاندماج النووي، واجهات الدماغ-الآلة، 6G.  الهدف هو تحقيق تقدم مسبق: في غضون عشر سنوات، يمكن أن تزن القطاعات المعنية ما يعادل قطاع تكنولوجيا عالية جديد بالكامل.

الابتكار التكنولوجي هو في قلب النظام.  ويشكل المحور الأهم في الخطة الخمسية الخامسة عشرة.  من المتوقع أن تستمر نفقات البحث منً أجل التنمية في النمو بنحو 7٪ سنويًا، بهدف تعزيز المنظومة الوطنية للابتكار.  تسعى الصين بذلك إلى الانتقال من وضع “القوة الصناعية الكبرى” إلى وضع الرائد العالمي في الابتكار التكنولوجي.

يولي المخطط أيضًا أهمية كبيرة للتنمية الاجتماعية وتحسين مستوى المعيشة.  تشمل الأولويات زيادة دخل الأسر، وتقليل الفوارق الجهوية، وتحسين الحماية الاجتماعية، والوصول إلى التعليم والرعاية الصحية.  تهدف الحكومة أيضًا إلى الحفاظ على معدل البطالة الحضرية ما دون 5.5%، من أجل ضمان الاستقرار الاجتماعي.  أحد الأهداف الرئيسية هو أيضًا تعزيز دور الاستهلاك المحلي في النمو.  اليوم، يمثل استهلاك الأسر حوالي 40% من الناتج المحلي الإجمالي؛ ومن المتوقع أن يصل إلى حوالي 45% بحلول عام 2030 من أجل تقليل الاعتماد على الصادرات والاستثمار العام.   يشكل هذا التوجه نحو الطلب الداخلي ركيزة أساسية لاستراتيجية ما يسمى بـ “الدورة المزدوجة”، التي تجمع بين تطوير السوق الداخلية والحفاظ على انفتاح اقتصادي منضبط.  تهدف هذه الاستراتيجية إلى تقليل “اعتماد” الصين على الصادرات ومواجهة السياسة الحمائية التي ينهجها ترامب.

تنفيذ الخطة الخمسية الخامسة عشرة سيواجه عدة تحديات مهمة.  الأول يتعلق بالتباطؤ التدريجي في النمو الاقتصادي.  بعد عدة عقود من النمو السريع، يدخل الاقتصاد الصيني في مرحلة أكثر نضجًا تتميز بمعدل توسع أكثر اعتدالًا.  يجب على الحكومة إيجاد توازن دقيق بين الحفاظ على نمو مستقر ومتابعة الإصلاحات اللازمة لتحسين النجاعة الاقتصادية.  هذا التباطؤ في النمو هو معطى موضوعي في اقتصاد شهد في الماضي معدلات نمو من رقمين.  وابتداءأمن عتبة معينة، الجودة تتفوق على الكمية.  هذا هو الحال اليوم في الصين.

 تحدٍ رئيسي آخريتمثل في التحولات الديموغرافية التي تشهدها الصين.  انخفاض معدل الولادة والشيخوخة السريعة للسكان يشكلان ميولات مقلقة لمستقبل الاقتصادالصيني.  قد يؤثر انخفاض نسبة السكان النشطين على النمو ويرفع منٍ مستوى الضغط على أنظمة التقاعد والصحة.  ولمواجهة هذه التحديات، سيتعين على السلطات تشجيع الابتكار، وتحسين الإنتاجية — من خلال الاستخدام المكثف للروبوتات والذكاء الاصطناعي — ووضع سياسات اجتماعية تتناسب مع مجتمع مسن.

وتمثل التوترات الجيوسياسية أيضًا عاملاً رئيسيًا في عدم اليقين.  الصراعات بين القوى الكبرى أدت إلى تبني بعض القيود التي تستهدف الوصول إلى التقنيات المتقدمة.  في هذا السياق، تسعى الصين إلى تعزيز أمنها الاقتصادي والتكنولوجي مع الاستمرار في المشاركة النشطة في المبادلات الدولية.  الحفاظ على هذا التوازن بين الاستقلال الاستراتيجي والانفتاح الاقتصادي يشكل تحديًا مركزيًا للسنوات القادمة.

في السيمفونية الكبرى للتحول العالمي، تتأهب الخطة الخمسية الخامسة عشرة للصين لعزف نغمة حاسمة: طموحة، معقدة وعميقة الأثر.  برؤية تجمع بين النمو الأخضر، والاكتفاء الذاتي التكنولوجي، وإنعاش الاقتصاد الداخلي، لا يقتصر هذا المخطط الرئيسي على تحقيق الأهداف، بل يسعى إلى إعادة تعريف ما يمكن أن تحققه أمة حديثة.  سواء كان الأمر يتعلق بمواجهة التحديات الديموغرافية أو بالتصدي لقيادة الحياد الكربوني، فإن الصين توجه رسالة واضحة إلى العالم: المستقبل ليس شيئًا ننتظره، بل هو شيء نبنيه.  بالنسبة لأولئك الذين يراقبون عن كثب، فإن السنوات الخمس المقبلة لن تمثل مجرد خطة: بل ستكون درسًا رئيسيًا حيث سيلتقي الطموح مع التنفيذ.

نرى أن الصين تسير في طريق مغاير تمامًا لطريق أمريكا ترامب.  بينما يسعى الأخير إلى الهيمنة على العالم بالقوة العسكرية، تعمل الصين على أن تصبح القوة العالمية الأولى عبر بوابة الاقتصاد. ستترك هذه المواجهة بين القوتين العظميين في العالم برؤى مختلفة بصمتها على السنوات القادمة.   القمة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ، المقررة في بكين في نهاية هذا الشهر، إذا تم الإبقاء عليها، ستعطينا بالتأكيد لمحة عن هذه المواجهة.



Source link

Exit mobile version