المغرب نيوز

الدستور بين الفقه والادعاء – مدار21

الدستور بين الفقه والادعاء – مدار21


أثارت بعض الآراء نقاشا حول تعديل المادة 14 من القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية ومدى انسجامه مع الفصل 130 من الدستور، الذي ينص على أن المحكمة الدستورية تتكون من اثني عشر عضوا يعينون أو ينتخبون لمدة تسع سنوات غير قابلة للتجديد.

وقد اعتبر البعض أن السماح بإعادة تعيين أو انتخاب عضو، تم تعيينه أو انتخابه لإتمام ما تبقى من ولاية عضو آخر، لولاية كاملة، إذا لم تتجاوز مدة التعويض ثلاث سنوات، قد يشكل مسا بمبدأ عدم تجديد الولاية.

غير أن قراءة هادئة للنص الدستوري المغربي، مقترنة بالنظر في التجارب الدستورية المقارنة، تظهر أن هذا الطرح يفتقر إلى الدقة وأن ما تم اعتماده في المغرب لا يشكل استثناء، بل ينسجم مع ممارسات معمول بها في عدة أنظمة دستورية عبر العالم، مقابل غياب أي مقتضى يمنع ذلك بشكل صريح.

إن تفسير مبدأ عدم تجديد الولاية ينبغي أن يراعي طبيعة الحالة الاستثنائية المتمثلة في شغور المنصب أثناء الولاية. فالعضو الذي يتم تعيينه لإتمام ما تبقى من ولاية سلفه لا يكون قد مارس ولاية كاملة مدتها تسع سنوات، وبالتالي لا يمكن القول إنه استفاد من ولاية كاملة غير قابلة للتجديد. ومن ثم، فإن السماح له بالترشح أو التعيين لولاية كاملة لاحقة لا يتعارض مع جوهر مبدأ عدم التجديد.

من جهة أخرى، فإن اعتماد تفسير حرفي للفصل 130 من الدستور قد يؤدي إلى نتائج تتعارض مع البناء الدستوري نفسه. فلو افترضنا أن أحد أعضاء المحكمة الدستورية توفي أو شغر منصبه قبل انتهاء ولايته، وتم تعيين عضو جديد لمدة تسع سنوات كاملة، فإن ذلك سيؤدي حتما إلى اختلال نظام التجديد الثلثي المنصوص عليه صراحة في التنظيم الدستوري للمحكمة.

وعليه، فإن المقتضى التعديلي الذي يسمح بإعادة انتخاب العضو المعين أو المنتخب بإتمام ما تبقى من ولاية عضو آخر لولاية كاملة، بشرط ألا تتجاوز مدة التعويض ثلاث سنوات، لا يشكل بأي حال مساً بالفصل 130 من الدستور، بل على العكس، فإنه يمثل تأويلا منطقياً ومتوازناً يوفق بين مبدأ عدم تجديد الولاية من جهة، وضرورة الحفاظ على انتظام تجديد أعضاء المحكمة واستمرارية عملها من جهة أخرى.

وعلى المستوى الدولي، يمكن التمييز بين ثلاث مقاربات رئيسية اعتمدتها الدساتير والتشريعات المقارنة؛ المقاربة الأولى تسمح بالتجديد المشروط لولاية كاملة عندما تكون مدة التعويض قصيرة ومحدودة زمنياً (فرنسا، إسبانيا، موناكو، رومانيا، تشاد، جيبوتي، موريتانيا ولبنان)، ومقاربة تمنح للعضو المعوض الحق المطلق في ولاية كاملة لاحقة دون احتساب مدة التعويض ضمن الولايات الدستورية (السنغال وبوركينا فاسو)، وأخيراً مقاربة تتسم بوجود فراغ نصي، حيث يكتفي النص الدستوري بالتنصيص على عدم قابلية الولاية للتجديد دون أن يحدد صراحة مصير إمكانية إعادة تعيين العضو الذي أكمل المدة المتبقية لسلفه، مما يفتح المجال أمام تعدد التفسيرات الفقهية والقانونية في هذا الشأن (النيجر، الطوغو، مالي، مدغشقر وبلغاريا).

وعليه، فالادعاء بأن تعديل المادة 14 يعتبر مساً بالدستور، لا يصمد طويلا أمام تحليل قانوني مقارن، حيث يجد له سندا في تجارب دستورية متعددة، وهو ما يؤكد أن النقاش يجب أن يبقى في إطار التحليل العلمي والفقهي الرصين بعيداً عن الأحكام المتسرعة وربما المتشنجة.



Source link

Exit mobile version