لفت المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى أن النظام الضريبي الوطني، خصوصاً بعد الإصلاح الجبائي الأخير، بات غير محفز لنمو المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، بل يفاقم محنتها، مؤكداً في الوقت ذاته أن الفساد والرشوة ينخران مناخ الأعمال بالمغرب.
وجاء في رأي المجلس الصادر حديثاً حول تحديات المقاولات المتناهية الصغر والصغيرة جداً والصغرى بالمغرب، بناء على إحالة من مجلس المستشارين، أن النظام الجبائي المغربي خضع منذ 2021 لعدة إصلاحات تهدف إلى تحديث الإطار الضريبي للمقاولات، وقد طالت بعض هذه التدابير على وجه الخصوص المقاولات الصغيرة جداً والصغرى، ومن ذلك الرفع التدريجي للضريبة على الشركات.
ولاحظ المجلس أن بعض المقاولات الصغرى شهدت ارتفاعاً في معدل الضريبة، مما شكل عبئاً إضافياً على بنيات مقاولاتية تعاني أصلاً من الهشاشة؛ “فقد أقر قانون المالية لسنة 2023 إصلاحاً تدريجياً يهدف إلى توحيد معدل الضريبة عند 20 في المائة للمقاولات التي يقل صافي ربحها الخاضع للضريبة عن 100 مليون درهم، وذلك في أفق سنة 2026”.
من جهة أخرى، طالت تعديلات النظام الضريبي المقاولين الذاتيين؛ إذ “رغم استمرار العمل بنظام المقاول الذاتي فقد أدخلت التعديلات الأخيرة بموجب قانون المالية لسنة 2023 قيوداً ضريبية وإداريةً إضافية على هذه الفئة من المقاولات، وأبرز هذه المستجدات يتمثل في فرض الضريبة عن طريق الاقتطاع من المنبع بنسبة موحدة تبلغ 30 في المئة على أي فائض من رقم المعاملات السنوي يتجاوز 80.000 درهم، وذلك بالنسبة لمقدمي الخدمات الذين يتعاملون مع الزبون نفسه”.
ونبه إلى أن الدراسات التقييمية لأثر التدابير الضريبية تركّز بالأساس على المداخيل العمومية، مع إيلاء اهتمام محدود لتأثيراتها الاقتصادية والاجتماعية على المقاولات من حيث قدرتها على الاستمرار، وكذلك على احتمال انتقالها إلى القطاع الاقتصادي غير المنظم.
و”في المقابل، قد تؤدي بعض الإجراءات الجبائية إلى أثر عكسي، إذ تدفع خشية الوصول إلى شريحة ضريبية أعلى بعض المقاولات إلى البقاء صغيرة الحجم. وتُعَدُّ إجراءات الإدارة الجبائية خامس أكبر عقبة أمام تنمية المقاولات الصغيرة جداً والصغرى”.
وعلاوة على العراقيل الجبائية، سلط المجلس الضوء على الإشكالات المتعلقة بمناخ الأعمال وعلى رأسها المنافسة غير المشروعة واختلالات السوق؛ إذ “تعاني المقاولات متناهية الصغر والصغيرة جداً والصغرى التي تنشط في القطاع المنظم من تأثير ممارسات تخل بقواعد المنافسة. وتعد منافسة القطاع غير المنظم العائق الأول الذي تواجهه هذه المقاولات، إذ تقلص هوامش أرباحها، وتحد من قدرتها الاستثمارية، وتضعف قابليتها للابتكار أو تحديث أنشطها”.
ولم يفوّت مجلس عمارة الفرصة لتوجيه أصابع الاتهام لعامل الفساد وضعف الشفافية؛ معتبراً أن ممارسات الفساد ما تزال تثقل كاهل مناخ الأعمال، مع تأثير خاص على المقاولات الصغيرة جداً والصغرى؛ “فمنذ سنة 2018، تراجع ترتيب المغرب في مؤشر إدراك الفساد (CPI)، رغم الإصلاحات القانونية والمؤسساتية المعتمدة ويعتبر نحو 68 في المائة من المقاولات المستجوبة أنَّ الرشوة منتشرة أو منتشرة جداً 78، ولا سيما في منح الرخص والمأذونيات والصفقات العمومية، في حين لا تتعدى نسبة المقاولات المشتكية 6 في المئة”.
ويؤكد مؤشر (TRACE Bribery Risk Matrix 2023) لقياس مخاطر الرشوة هذا الاتجاه، وفقا للمجلس، بالإشارة إلى تراجع المغرب، خصوصاً في إنفاذ القوانين ومشاركة المجتمع المدني في محاربة الفساد.
هذا، ورغم أن اعتماد الرقمنة وتدابير الوقاية تمثل تقدماً مهماً في التصدي للفساد، فإن أثر ذلك سيظل محدوداً إذا لم يتم إسناده بمنظومة قانونية ردعية، صارمة وفعالة تشمل مختلف أشكال الفساد المنصوص عليها في الفصل 36 من الدستور، وذلك من أجل استعادة ثقة الفاعلين الاقتصاديين وتعزيز نجاعة الإصلاحات الجارية، يخلص المجلس.
وعلاوة على ذلك، ورغم ما تحقق من تقدم داخل المراكز الجهوية للاستثمار، فإن أغلبها لا يزال، بحسب الفاعلين الذين أنصت المجلس إليهم، يعمل أساساً كبنيات مركزية، أكثر منه كشباك وحيد يضمن مرافقة شاملة للمقاولين على امتداد مسارهم.
