في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها ملف الصحراء المغربية، برزت خلال المرحلة الأخيرة ملامح دينامية دولية جديدة تقودها الولايات المتحدة الأمريكية، غير أن هذه الريادة، وفق ما يؤكده رضا الفلاح، أستاذ القانون الدولي بجامعة ابن زهر بأكادير، لا تعني بأي حال من الأحوال تراجع دور الأمم المتحدة، بل تعكس نوعًا من التكامل بين المسارين في اتجاه تسريع الحل السياسي للنزاع.
وأوضح الفلاح في حوار مع جريدة “مدار21” الإلكترونية، أن الحضور الأمريكي القوي في هذا الملف، خاصة منذ الاعتراف بمغربية الصحراء سنة 2020، ساهم في تحريك مواقف عدد من الدول التي كانت تتبنى مواقف ضبابية أو حيادية، ودفعها نحو تحديد خياراتها بشكل أوضح، وهو ما أفرز دينامية جديدة داخل مجلس الأمن وخارجه، دون أن يلغي الإطار الأممي الذي ظل المرجعية الأساسية للمسار السياسي.
وأشار إلى أن طبيعة عمل الأمم المتحدة، التي تقوم على التوافقات والبيروقراطية المعقدة، غالبًا ما تفرض إيقاعًا بطيئًا في معالجة النزاعات طويلة الأمد، وهو ما جعل التدخل الأمريكي يشكل عامل تسريع وليس بديلاً، حيث برزت واشنطن كفاعل مؤثر يسعى إلى دفع الأطراف نحو مواقف أكثر واقعية، في انسجام مع خلاصات القرارات الأممية الأخيرة.
وفي هذا السياق، سجل أستاذ القانون الدولي بجامعة ابن زهر بأكادير، أن القرار الأممي رقم 2797 كرّس بشكل واضح أولوية مقترح الحكم الذاتي باعتباره الأساس الوحيد للتسوية السياسية، وهو ما يعكس تطورًا نوعيًا في مقاربة مجلس الأمن، نتيجة تراكمات دبلوماسية طويلة قادها المغرب، مدعومة بتحولات في موازين القوى الدولية.
وأكد أن هذه الدينامية الجديدة بدأت تترجم ميدانيًا من خلال عودة بعض الأطراف إلى طاولة المفاوضات، كما حدث خلال الاجتماع الأخير بمدريد يومي 9 و10 فبراير، في مؤشر على وجود إرادة دولية متزايدة للدفع نحو حل نهائي، يجمع بين الشرعية الأممية والواقعية السياسية.
واعتبر الفلاح أن ما يجري اليوم هو تعاضد بين مقاربتين؛ الأولى أممية تستند إلى قرارات مجلس الأمن وإلى مبدأ التوافق، والثانية تقودها قوى دولية كبرى، على رأسها الولايات المتحدة، تسعى إلى تسريع وتيرة الحل في ظل سياق دولي يتسم بالتحولات العميقة نحو التعددية القطبية.
وأضاف أستاذ القانون الدولي أن هذا التفاعل بين المسارين ساهم في إعادة تشكيل مواقف عدد من الدول، سواء في أوروبا أو إفريقيا أو أمريكا اللاتينية، حيث باتت تتجه بشكل متزايد نحو دعم مقترح الحكم الذاتي، إما عبر الاعتراف الصريح أو من خلال تبني مواقف تعتبره الحل الواقعي والعملي للنزاع.
وفي تحليله لأبعاد هذا التحول، شدد الفلاح على أن المغرب نجح في توظيف علاقاته الاستراتيجية المتنوعة، سواء مع القوى الغربية أو مع شركاء دوليين كروسيا والصين، بما يضمن توازنًا في المواقف الدولية ويعزز فرص التوصل إلى تسوية سياسية تحظى بقبول واسع.
كما أبرز أن مواقف بعض القوى الكبرى، رغم حرصها على التوازن في علاقاتها الإقليمية، لم تعد تعارض بشكل مباشر الطرح المغربي، بل أضحت تتبنى مقاربات تقوم على دعم الحلول السياسية الواقعية، مع التأكيد على احترام وحدة الدول وسيادتها، وهو ما يصب في صالح مبادرة الحكم الذاتي.
وفي ما يتعلق بآفاق المرحلة المقبلة، أوضح الفلاح أن النقاش يتجه حاليًا نحو بلورة إعلان سياسي يستند إلى وثيقة الحكم الذاتي، التي تقدم تصورًا مفصلًا لنظام تدبير الأقاليم الجنوبية، في إطار يحفظ السيادة المغربية ويمنح صلاحيات واسعة للجهة، وفق نموذج متدرج يخضع للتقييم.
وختم الفلاح بالتأكيد على أن تلاقي الجهود الأمريكية والأممية، مدعومًا بدينامية دبلوماسية مغربية نشطة، يفتح الباب أمام إمكانية طي هذا النزاع الذي طال أمده، في أفق إرساء الاستقرار الإقليمي وإطلاق دينامية تنموية جديدة، مشددًا على أن نجاح هذا المسار يظل رهينًا بقدرة الأطراف على استثمار اللحظة السياسية الراهنة والانخراط في منطق الحل الواقعي.

