لا تقتصر الانعكاسات الاقتصادية للحرب في إيران على القطاعات والأنشطة المرتبطة بالطاقة فحسب، إذ يستعد المغرب لمواجهة اختبار آخر على مستوى قطاعه السياحي، ذلك أن الأزمة الشرق-أوسطية تطرح سيناريوهين محتملين؛ أحدهما يمثل فرصة ذهبية للمملكة بوصفها بديلاً للسياح الأجانب عن البلدان المتضررة، وآخر يهددها بالخلط والالتابس بين الاثنين.
وبعدما سجلت سنة 2025 أرقاماً قياسية جديدة للسياحة المغربية، سواء على مستوى ليالي المبيت أو المداخيل، بات المغرب يُعول على القطاع السياحي كأحد محركات نموه الاقتصادي بحلول سنة 2030، التي ستشهد ذروة النشاط بتنظيم المملكة لمونديال كرة القدم. غير أن الصدمات الجيوسياسية الدولية عادة ما تبعث على الشكوك، وتعيد طرح النقاش حول مواطن القوة والهشاشة السياحيين، وفقا للخبير الزبير بوحوت.
بوحوت، في تصريح لجريدة “مدار 21” أكد أن السياحة المغربية لا شك ستتأثر بهذه الأحداث الجيوسياسية الأخيرة، مشيراً إلى أنه تم بالفعل إلغاء حجوزات بالمؤسسات السياحية إثر اندلاع الحرب على إيران، خصوصاً تلك التي مصدرها بلدان الشرق الأوسط. غير أنه طمأن لكون مساهمة السياحة الشرق أوسطية في النشاط السياحي الوطني لا تمثل سوى 1 في المئة.
وأوضح بوحوت أن جميع الاحتمالات واردة على المدى، فهناك سيناريوهات الانعكاس السلبي للحرب على السياحة الوطنية، على غرار أن تؤثر الصورة النمطية عن المغرب بوصفه دولة عربية وإسلامية على نظرة السياح الأجانب له، وبالتالي عزوفهم عن التوجه إليه، ظناً منهم أنه يقع بمنطقة الحرب”.
“بالرغم من أن البلاد تقع جغرافيًا خارج المسرح المباشر للنزاع، ولم تَصدر أي قيود سفر أو تحذيرات أمنية بشأنها من قبل السلطات الدولية، إلا أن الاضطرابات التي تطال مسارات الطيران، وحالة عدم اليقين النفسي التي يخلقها النزاع، قد تؤدي إلى تباطؤ مؤقت في نمو تدفقات السياح، خصوصًا لدى المسافرين الأكثر حساسية للحوادث الدولية، أو أولئك الذين يمرّون عبر مراكز عبور جوية تأثرت بالاضطرابات في حركة الطيران”، يضيف بوحوت.
وأفاد بأن ظاهرة “العدوى النفسية” موثّقة في قطاع السياحة؛ “فعندما يطال نزاع ما منطقة تُعتبر متجانسة ثقافيا أو جغرافيًا (مثل منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بالنسبة للحالة المغربية)، فقد يخلط بعض المسافرين بين المناطق القريبة والبعيدة، ما يدفعهم إلى تقليص نيتهم للسفر إلى وجهات لا تواجه في الواقع أي مخاطر مباشرة مرتبطة بالنزاع”.
وأكد أنه “بالرغم من أن المغرب بعيد عن مناطق القتال إلا أن الخطاب الإعلامي الذي يُعمّم وصف “الشرق الأوسط” كمنطقة غير مستقرة قد يؤثر سلبًا على تصورات بعض السياح الدوليين”.
لكن، في المقابل، يمكن للمغرب أن يستثمر هذه الفرصة بالتحول إلى ملاذ آمن للسياح الأجانب الذي كانوا يرغبون في زيارة بلد عربي، لكنهم سيقررون الابتعاد الآن عن بلدان الخليج والمشرق العربي عموماً؛ “هنا بإمكان المغرب أن يمثل بديلاً منطقياً لهؤلاء” يقول بوحوت.
وخلص المتحدث ذاته إلى أن الخطر قائم ولكن ثمة أيضاً فرصة “لكون المغرب يتمتع الآن بإشعاع كبير، يؤهله لاغتنام الفرصة أكثر من التعرض للخطر”، مضيفاً أنه لتحقيق ذلك ينبغي على السلطات المختصة بالمملكة “تكثيف التواصل العقلاني والعلمي لرفع الالتباس، ومحاولة التسويق للبلاد كملاذ وبديل عن البلدان المتضررة من الحرب”.
واعتبر أن الاختبار الحقيقي للمغرب سيكون من خلال تنظيم تظاهرة “جيتيكس” المرتقبة بمدينة مراكش الشهر المقبل؛ “استمرار تنظيم الفعاليات الدولية الكبرى على التراب المغربي وإقامتها بشكل عادي سيشكل مؤشرًا ملموسًا على الاستقرار واستمرارية المؤسسات، فهذا الحدث التكنولوجي العالمي الذي يشارك فيه آلاف العارضين والمستثمرين، يبرهن على أن المغرب ما يزال فضاءً آمنًا ومنظمًا رغم السياق الجيوسياسي المتوتر في بعض مناطق الشرق الأوسط”.
