عاد الجدل حول تحرير قطاع المحروقات وحدود تدخل الدولة إلى الواجهة مدفوعا بالتطورات الدولية المتسارعة على رأسها الحرب في الشرق الأوسط، التي بدأت تلقي بظلالها الثقيلة على أسواق الطاقة العالمية وتدفع الأسعار نحو مستويات غير مسبوقة وسط مخاوف متزايدة من انعكاساتها المباشرة على القدرة الشرائية للمغاربة في ظل الارتفاع غير المسبوق للأسعار خلال الشهر الجاري.
وفي هذا السياق، حذر الحسين اليماني الكاتب العام للنقابة الوطنية للبترول والغاز في تصريح لـ “الصحيفة” من سيناريو تصاعدي مقلق حيث أكد أن “حرب الشرق الأوسط تتمدد في الزمان والمكان وآثارها المرعبة بدأت تظهر على كل اقتصادات العالم” معتبرا أن ما يجري اليوم “يكشف عن سعي القوى الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة إلى العودة لمنطق الهيمنة والسيطرة على مقدرات الشعوب”.
وأوضح اليماني، في تصريحه لـ “الصحيفة” أن سعر لتر الغازوال في السوق الدولية بلغ بتاريخ 22 مارس، حوالي 11 درهما، أي ما يعادل 1345 دولارا للطن الواحد، مشيرا إلى أنه عند احتساب تكاليف التوصيل والتخزين التي تناهز درهما واحدا إضافة إلى الضرائب التي تتجاوز 4 دراهم وهوامش أرباح الموزعين التي تقارب درهمين فإن السعر النهائي في السوق المغربية “مرشح للارتفاع إلى حدود 18 درهما للتر عاجلا أم آجلا”.
ويأتي هذا التحذير، في سياق يعرف فيه السوق الوطني تقلبات متسارعة في أسعار المحروقات مرتبطة بشكل مباشر بالأسعار الدولية في ظل نظام تحرير الأسعار الذي دخل حيز التنفيذ منذ 2015، والذي يجعل السوق المحلية شديدة الحساسية لأي ارتفاع في أسعار النفط ومشتقاته على المستوى العالمي.
وتتزامن هذه التطورات مع سياق دولي بالغ التعقيد، حيث أدت الحرب في الشرق الأوسط إلى تصاعد المخاوف بشأن إمدادات الطاقة خاصة في ظل التهديدات التي تطال الملاحة في مضيق هرمز أحد أهم الشرايين الحيوية لنقل النفط في العالم وهو ما انعكس بشكل مباشر على الأسعار، التي شهدت ارتفاعات متتالية مدفوعة بعوامل المضاربة وتوقعات نقص الإمدادات.
في المقابل، يرى متتبعون أن ما يزيد من حدة تأثير هذه الارتفاعات على السوق المغربية هو غياب آليات تنظيمية فعالة لضبط الأسعار أو الحد من هوامش الربح، في ظل سوق محررة بالكامل وهو ما يجعل المستهلك النهائي يتحمل العبء الأكبر لأي صدمة خارجية.
وفي هذا الإطار، دعا اليماني إلى “تدخل جدي للدولة حفاظا على السلم الاجتماعي واستقرار البلاد” محذرا من أن استمرار ارتفاع الأسعار “سيقوض ما تبقى من القدرة الشرائية للمغاربة التي استنزفها التضخم منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية”.
واقترح المسؤول النقابي جملة من الإجراءات، على رأسها إلغاء تحرير أسعار المحروقات وتحديد سقف لأرباح الفاعلين في القطاع، إلى جانب التنازل عن جزء من الضرائب المفروضة على المحروقات التي تصل حسب قوله إلى أكثر من 4 دراهم بالنسبة للغازوال و5 دراهم بالنسبة للبنزين.
ولم يقف اليماني عند حدود التدابير الظرفية، بل دعا إلى إعادة النظر في النموذج الطاقي برمته من خلال “تعزيز السيادة الطاقية واعتماد منطق وقائي بدل التدخل بعد الأزمات” مشددا على ضرورة تشجيع التنقيب عن النفط الخام وإحياء مصفاة سامير وفصل أنشطة التخزين عن التوزيع، وتعزيز المخزونات الوطنية.
كما حذر المتحدث نفسه مما وصفه بـ”استغلال الأزمات من طرف بعض الفاعلين” في إشارة إلى الشركات العاملة في القطاع التي يرى أنها تستفيد من تقلبات السوق لتحقيق هوامش ربح مرتفعة في غياب رقابة صارمة.
وتعيد هذه التصريحات إلى الواجهة النقاش القديم الجديد حول نموذج تدبير سوق المحروقات في المغرب، بين من يدافع عن منطق التحرير واعتباره خيارا ضروريا لجذب الاستثمار وضمان التنافسية ومن يرى فيه سببا مباشرا في تفاقم الأسعار وغياب العدالة في توزيع الأعباء.
وبين الضغوط الخارجية المرتبطة بتقلبات السوق العالمية، والإكراهات الداخلية المرتبطة ببنية السوق المحلية، يجد المغرب نفسه أمام معادلة معقدة، تتطلب توازنا دقيقا بين ضمان استقرار الأسعار، والحفاظ على جاذبية القطاع، وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.
وفي ظل استمرار التوترات الدولية، يبدو أن أسعار المحروقات مرشحة لمزيد من الارتفاع، ما يجعل من ملف الطاقة أحد أبرز التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي ستواجه الحكومة خلال المرحلة المقبلة خاصة في ظل تنامي المخاوف من انتقال آثار هذه الزيادات إلى باقي القطاعات وعلى رأسها النقل والمواد الغذائية بما قد يعمق الضغوط المعيشية على الأسر المغربية.
