اعتبر إدريس الفينة، الخبير الاقتصادي ورئيس المركز المستقل للدراسات الاستشرافية، أنه رغم مرور سنوات على إحداث وزارة الاستثمار وتقييم السياسات العمومية والالتقائية، ورغم ما أُسند لها من أدوار محورية في هندسة القرار العمومي، لا تزال حصيلتها في أحد أهم اختصاصاتها، أي تقييم السياسات العمومية وضمان التقائية البرامج الحكومية، شبه غائبة عن النقاش العمومي والمؤسساتي.
وسجل أنه من الناحية القانونية والتنظيمية، تتمتع هذه الوزارة باختصاصات واسعة تمس جوهر الحكامة الحديثة، تشمل تقييم نجاعة السياسات العمومية، قياس الأثر الاقتصادي والاجتماعي للاستثمار العمومي، وتحقيق الانسجام بين البرامج القطاعية والمجالية، وهي مهام لا تقل أهمية عن التخطيط أو المالية، بل تشكل في التجارب الدولية المتقدمة صلب منظومة اتخاذ القرار القائم على النتائج.
وقال إن المتتبع لأداء الوزارة يلاحظ، إلى حدود اليوم، غياب تقارير تقييم علنية ومرجعية حول السياسات العمومية الكبرى، سواء تعلق الأمر بسياسات الاستثمار، أو البرامج القطاعية، أو مدى التقائية تدخلات الدولة. وأوضح أن هذا الغياب يطرح تساؤلات مشروعة، خاصة وأن الوزارة راكمت، منذ مرحلة الوزير السابق، عدداً من الدراسات التشخيصية، وأُحدثت داخلها بنيات إدارية مخصصة للتقييم والتحليل.
ويرى إدريس الفينة في مقال للرأي أن المفارقة تزداد حدة إذا استحضرنا أن تقييم السياسات العمومية أصبح، في الخطاب الرسمي والملكي، شرطاً أساسياً للإصلاح، وأداة مركزية لترشيد الإنفاق العمومي ورفع فعاليته. كما أن مبدأ الالتقائية جرى التأكيد عليه مراراً لتجاوز منطق التشتت القطاعي وتضارب البرامج، ومع ذلك، ظلت هذه المبادئ، على مستوى الوزارة المعنية، أقرب إلى الإطار النظري منها إلى الممارسة المؤسسية المنتظمة.
وأكد الخبير الاقتصادي ورئيس المركز المستقل للدراسات الاستشرافي أن الخلل هنا لا يبدو تقنياً أو مرتبطاً بندرة الأدوات، بل هو خلل وظيفي وسياساتي بالأساس، مشيراً إلى أن التقييم الحقيقي للسياسات العمومية ليس مجرد تمرين تقني، بل هو فعل مساءلة غير مباشر، قد يفضي إلى إعادة النظر في اختيارات قائمة، أو إلى تصحيح مسارات، أو إلى مساءلة قطاعات أخرى، وهو ما يجعل هذا الدور حساساً داخل المنظومة الحكومية، ويتطلب وضوحاً سياسياً وشجاعة مؤسساتية.
أما على مستوى الالتقائية، فأورد الفينة أن منطق التدخل العمومي لا يزال يغلب عليه الطابع العمودي، حيث تظل سياسات استثمارية منفصلة عن سياسات التكوين والتشغيل، وبرامج فلاحية دون ربط كافٍ بسلاسل القيمة، ومبادرات جهوية لا تُقاس آثارها التراكمية على التنمية المجالية. وأضاف أن الوزارة التي أُنشئت تحديداً لتجاوز هذا التشتت، لم تُنتج بعد إطاراً تحليلياً موحداً يربط الاستثمار بالإنتاجية وبخلق فرص الشغل وبالعدالة الترابية.
وخلص إدريس الفينة إلى أن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه هو: ماذا ينتظر الوزير؟ هل تقرير سنوي لتقييم السياسات العمومية؟ أم نموذج وطني لقياس الأثر؟ أم آلية حكومية ملزمة للالتقائية بين القطاعات؟ أم أن الأمر يقتصر على إدارة الملفات دون تفعيل حقيقي للدور القيادي المنوط بالوزارة؟
وأوضح الفينة أنه في غياب أجوبة واضحة ومخرجات ملموسة، تبقى وزارة الاستثمار وتقييم السياسات العمومية هيكلاً بصلاحيات استراتيجية دون ممارسة استراتيجية كاملة، وتبقى السياسات العمومية دون تقييم منتظم، والاستثمار دون قياس دقيق لجدواه الاقتصادية والاجتماعية، وهو وضع لا ينسجم مع رهانات المرحلة، ولا مع طموح مغرب يسعى إلى تحسين جودة قراره العمومي، لا فقط حجم إنفاقه.
