المغرب نيوز

المغرب أقل الاقتصادات الإفريقية مخاطرة وأعلاها تصنيفا بفضل انتعاش السياحة والصناعة.. والبطالة في مقدمة النقاط السوداء – الصحيفة

المغرب أقل الاقتصادات الإفريقية مخاطرة وأعلاها تصنيفا بفضل انتعاش السياحة والصناعة.. والبطالة في مقدمة النقاط السوداء – الصحيفة


رسخ المغرب مكانته كأقل الاقتصادات الإفريقية مخاطرة مع حفاظه على تصنيف “B1” كأفضل تنقيط في القارة السمراء وفق “أطلس مخاطر الدول 2026″، مدعوما بنمو متماسك وتوسع صناعي متواصل لكن خلف هذه المؤشرات القوية يبرز واقع أكثر حدّة لاقتصاد يتقدم بسرعتين، بطالة شباب مرتفعة وهيمنة للاقتصاد غير المهيكل وفوارق اجتماعية آخذة في الاتساع.

ورسم تقرير “أطلس مخاطر الدول 2026” الصادر عن شركة التأمين الائتماني الدولية “أليانز ترايد” صورة مركبة عن الاقتصاد المغربي، تجمع بين مؤشرات صلابة لافتة وتحديات بنيوية عميقة في لحظة دولية تتسم بتسارع التحولات الجيوسياسية وتغير خرائط التجارة العالمية.

فالمغرب، الذي حافظ على تصنيف “B1” ضمن فئة المخاطر المنخفضة وهو أفضل تنقيط مُنح لبلد إفريقي في هذه النسخة، يظهر في التقرير كاقتصاد قادر على التكيف، لكنه في الوقت ذاته يسير بسرعتين حيث تتجاور مؤشرات النمو والاستقرار المالي مع بطالة الشباب وثقل الاقتصاد غير المهيكل واتساع الفوارق الاجتماعية والمجالية.

ويأتي هذا التقييم ضمن دراسة شملت 83 دولة تمثل نحو 94 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي العالمي، اعتمدت على منظومة تحليل مركبة تجمع 17 مؤشرا قصير الأمد و18 مؤشرا متوسط الأمد تشمل الأبعاد الاقتصادية والسياسية وبيئة الأعمال والتنمية المستدامة، بهدف قياس مخاطر عدم السداد بالنسبة للشركات على المستوى الماكرو اقتصادي.

وفي سياق عالمي تتزايد فيه التوترات التجارية والتجزؤ الجيوسياسي وارتفاع حالة عدم اليقين السياسي، سجل التقرير تحسنا نسبيا في المخاطر العالمية مع رفع تصنيف 36 دولة مقابل خفض تصنيف 14 فقط، ما يعكس بحسب معدّي الدراسة قدرة اقتصادات عديدة على التكيف عبر سياسات مالية ونقدية وتجارية مرنة.

ضمن هذا المشهد المتغير، برز المغرب كفاعل يتقدم بثبات في الخريطة الاقتصادية الجديدة، مدعوما بدينامية تنويع صناعي وتزايد جاذبيته كمنصة إنتاج وتصدير بين إفريقيا وأوروبا وآسيا ووفق التصنيف الخاص بأقطاب التجارة الصاعدة لسنة 2025، يحتل المغرب المرتبة 21 عالميا مستفيدا من التحولات في سلاسل الإمداد العالمية ومن الدور المتنامي لميناء طنجة المتوسط كمنصة لوجستية استراتيجية تربط الجنوب بالشمال وهذا الموقع الجغرافي الذي تحول تدريجيا إلى رافعة اقتصادية، يعزز حضور المملكة في تجارة الجنوب الجنوب ويمنحها موقعا وسيطا في إعادة تشكيل مسارات التجارة الدولية.

ورغم هذا التموضع الاستراتيجي، لا يخفي التقرير الطابع المتباين لمسار النمو المغربي فالمؤشرات الماكرو اقتصادية تعكس استقرارا نسبيا هي نمو متوقع في حدود 3,7 في المائة سنة 2026 و3,5 في المائة سنة 2027، مع استمرار الأداء فوق عتبة 3,5 في المائة منذ 2023، في قطيعة مع التقلبات الحادة التي طبعت مرحلة ما بعد الأزمة المالية العالمية وجائحة كوفيد-19.

ويُعزى هذا الأداء إلى عدة محركات متداخلة: انتعاش الإنتاج الصناعي، تدفق الاستثمارات الأجنبية نحو قطاعات الصناعة التحويلية والطاقة والمعادن، تحسن نسبي في الإنتاج الفلاحي بعد سنوات الجفاف، إضافة إلى تعافٍ قوي في السياحة مع توقع ارتفاع عدد الوافدين بنسبة 20 في المائة خلال 2026.

غير أن التقرير يشير إلى أن هذه الدينامية قد تعرف تباطؤا مؤقتا على المدى القصير قبل أن تستعيد زخما أقوى مع اقتراب استحقاقات كبرى، وعلى رأسها تنظيم كأس العالم 2030، الذي يُنتظر أن يشكل محركا إضافيا للاستثمار والإنفاق العمومي وتحسين البنيات التحتية.

وفي الأثناء، تبقى الطلبات الداخلية في وضع مريح نسبيا، مدعومة بتحسن ثقة الأسر وارتفاع الإيرادات الجبائية، في حين يُتوقع أن يستقر التضخم عند حدود 1 في المائة خلال 2026، وهو مستوى منخفض يعكس استقرار الأسعار، وإن كانت بعض القطاعات قد تعرف زيادات ظرفية نتيجة الاستثمارات المرتبطة بالأحداث الرياضية الكبرى.

لكن خلف هذه الصورة الإيجابية نسبيا، يكشف التقرير عن مناطق ظل لا تزال تثقل كاهل الاقتصاد فالمقاولات رغم تحسن البيئة العامة، تواجه ضغوطا متزايدة إذ يُتوقع أن تستقر حالات إفلاس الشركات خلال 2026 بعد ارتفاعها بنسبة 10 في المائة في 2025، نتيجة صعوبات في قطاعات التجارة والعقار والبناء، إضافة إلى استمرار ظاهرة تأخر الأداءات التي تعد من أبرز العوامل المسببة للتعثر المالي.

أما سوق الشغل، فيظل أحد أبرز مكامن الهشاشة فمعدلات البطالة، خاصة في صفوف الشباب، تبقى مرتفعة وتناهز 35 في المائة، ما يعكس فجوة بين وتيرة النمو الاقتصادي وقدرته على خلق فرص عمل مستدامة، ويزيد من تعقيد هذا الوضع اتساع حجم الاقتصاد غير المهيكل الذي يستوعب نحو ثلاثة أرباع اليد العاملة، ويؤدي إلى اختلالات في الحماية الاجتماعية والإنتاجية مع استمرار اتساع الفوارق بين المجالين الحضري والقروي وبذلك يصبح النمو في نظر التقرير، غير شامل بما يكفي لإحداث تحولات اجتماعية عميقة، وهو ما يبرر توصيف “اقتصاد بسرعتين”.

في الجانب المالي، يرسم التقرير صورة أكثر توازنا، فحاجيات التمويل تبدو قابلة للتحكم رغم ارتفاع النفقات العمومية خلال السنوات الأخيرة، وهو ارتفاع أمكن استيعابه بفضل تحسن الإيرادات الجبائية واللجوء المدروس إلى الاقتراض.

ويُنتظر أن يظل عبء خدمة الدين دون المتوسط الإفريقي، في حدود 3,7 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي سنة 2025، قبل أن ينخفض تدريجيا إلى نحو 3 في المائة بحلول 2027 كما يُتوقع أن يتراجع الدين العمومي من 70 في المائة من الناتج الداخلي في 2024 إلى نحو 65 في المائة في أفق 2027، مع تسجيل عجز ميزانياتي متوسط في حدود 3 في المائة خلال الفترة نفسها.

وتعزز هذه المؤشرات بحسب التقرير، رفع وكالة “ستاندرد آند بورز” تصنيف المغرب إلى درجة الاستثمار في شتنبر 2025، إلى جانب بلوغ الاحتياطيات الدولية مستويات قياسية مدفوعة بارتفاع الاستثمارات الأجنبية المباشرة وانتعاش السياحة واستمرار تدفق تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج غير أن الدراسة تدعو في المقابل إلى اليقظة بشأن بعض المؤسسات العمومية المثقلة بالديون، والتي قد تشكل عامل ضغط على التوازنات المالية رغم إعلان إصلاحات موجهة لإعادة هيكلتها.

وفي ما يتعلق بالتجارة الخارجية، يبرز التقرير التحول التدريجي للاقتصاد المغربي نحو نموذج أكثر تنوعا فالفوسفاط، الذي يشكل العمود الفقري للصادرات، سجل انتعاشا بنسبة 20 في المائة سنة 2025 بعد فترة تباطؤ مرتبطة بتداعيات الجائحة مدفوعا بالطلب العالمي المرتبط بالأمن الغذائي.

ويأتي قطاع السيارات كثاني أكبر ركيزة تصديرية، حيث أصبح المغرب من أبرز مصدري السيارات نحو الاتحاد الأوروبي بأكثر من 500 ألف سيارة مُصدّرة سنة 2023، وهو مستوى يضعه في مصاف دول صناعية كبرى من حيث الحجم ورغم تباطؤ مؤقت في بداية 2025 نتيجة الظرفية الاقتصادية الأوروبية والرسوم الأمريكية، فإن الإنتاج المحلي حافظ على متانته.

في العمق، يقرأ التقرير هذا المسار ضمن استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى نقل المغرب تدريجيا من فئة الدخل المتوسط الأدنى إلى فئة الدخل المتوسط الأعلى، عبر تعميق التنويع الاقتصادي، وتعزيز جاذبية الاستثمار، وتسريع الانتقال الطاقي نحو الطاقات المتجددة لكن هذه الاستراتيجية، كما يشير التقرير، تظل رهينة بتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية والحد من تأثيرات التغير المناخي، بالنظر إلى الوزن الكبير للفلاحة في التشغيل.

وهكذا يتشكل المشهد الاقتصادي المغربي كما يقدمه “أطلس مخاطر الدول” توازن دقيق بين عناصر الصمود ومؤشرات الهشاشة، بين نمو مستقر نسبيا وتفاوت اجتماعي مستمر، وبين تموقع دولي متقدم وتحديات داخلية عميقة ومع اقتراب مواعيد سياسية واقتصادية ورياضية كبرى، تبدو السنوات القليلة المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كان هذا النمو سيتحول إلى مسار شامل يعيد رسم معالم الاقتصاد والمجتمع معا أم سيظل موزعا على إيقاعين متوازيين لا يلتقيان.



Source link

Exit mobile version