المغرب نيوز

النظام الجزائري في صدمة ويخشى مصير مادورو – الصحيفة

النظام الجزائري في صدمة ويخشى مصير مادورو – الصحيفة


أثار اعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو موروس من قلب قصره الرئاسي في كاراكاس، السبت الماضي على يد وحدات نخبة من الجيش الأمريكي ونقله في اليوم نفسه إلى مركز احتجاز في بروكلين بنيويورك، عاصفة من ردود الفعل عبر العالم بين دول سارعت إلى التنديد، أخرى حاولت تبرير العملية أو تفهمها، وثالثة تبنّت خطابا دبلوماسيا رماديا من قبيل “لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء”.

وفي خضم هذا الضجيج الدبلوماسي، اتجهت الأنظار تلقائيا نحو الجزائر، الحليف الأوثق لمادورو في شمال إفريقيا والعالم العربي، والرئة السياسية التي طالما استند إليها النظام الفنزويلي في معاركه الدولية. غير أن ما صدر من الجزائر لم يكن موقفا متمايزا أو قراءة خاصة أو حتى جملة بروتوكولية من باب المجاملة، فما صدر كان الصمت ولا شيء غير صمت كامل ومطبق على غير العادة كشف أكثر مما أخفى عن حالة ارتباك حقيقية يعيشها النظام الجزائري إزاء سقوط حليفه الأقرب الذي يبدو في جوانب كثيرة كأنه انعكاس محتمل لمصيره هو ذاته.

ولم يكن مادورو بالنسبة إلى الجزائر مجرد شريك نفطي داخل منظمة “أوبك”، بل كان خلال سنوات حكمه الاثنتي عشرة منذ 2013 الرئيس الأجنبي الأكثر حضورا في العاصمة الجزائرية، والأكثر انتظاما في زياراته واستراحاته التقنية بمطار هواري بومدين إلى درجة تحوّل معها المرور عبر الجزائر إلى محطة ثابتة لا غنى عنها في جدول تحركاته نحو روسيا وإيران والصين وآسيا عموما.

وفي عالم كان يغلق فيه عدد متزايد من العواصم أبوابه في وجه الرئيس الفنزويلي المنبوذ، ظلّت الجزائر تستقبله بحفاوة بالغة، تمد له بساط الشرعية والاحتفاء، وتقدّم له ما يشبه التعويض الرمزي عن عزلته الدولية.

وقد سجّل مادورو رقما قياسيا في عدد زياراته للجزائر، إذ زارها أكثر من اثنتي عشرة مرة بين 2017 و2024، في صيغ متفاوتة بين توقفات تقنية وزيارات رسمية محاطة بكل الطقوس البروتوكولية.

وتبدأ سلسلة هذه الزيارات الكثيفة سنة 2017، التي تحوّلت عمليا إلى سنة “العبور المتواصل” لمادورو عبر الجزائر ففي 11 شتنبر من ذلك العام، وبعد مشاركته بصفته رئيسا لحركة عدم الانحياز في قمة منظمة التعاون الإسلامي في أستانا بكازاخستان، توقّف في العاصمة الجزائرية فيما كان يفترض أن يكون مجرد عبور قصير لبضع ساعات لكن السلطات الجزائرية قررت أن تحوّل هذا التوقف العابر إلى زيارة رسمية كاملة استمرت يومين في مشهد يلخّص رغبة النظام الجزائري في استثمار حضور مادورو إلى أبعد حد، وإضفاء طابع استراتيجي على علاقة تتجاوز المجاملات الدبلوماسية.

وبعد أقل من شهر، في 7 أكتوبر من السنة نفسها، عاد مادورو للمرور عبر مطار هواري بومدين في توقف جديد قبل أن يعود إليه مرة ثالثة في دجنبر، حيث قام بتوقفين تقنيين في رحلتي الذهاب والإياب وفي كل مرة، ورغم أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة كان في فترة نقاهة صحية، تكفّل الوزير الأول آنذاك أحمد أويحيى، بمهمة استقبال الضيف الفنزويلي بما يؤكد أن النظام كان حريصا على ألا تمر أي محطة لـ”الصديق اللاتيني” دون حفاوة موثّقة ورسالة سياسية واضحة.

مع وصول عبد المجيد تبون إلى الرئاسة، لم تتراجع وتيرة هذا التقارب، بل تضاعفت رمزيته ففي 24 دجنبر 2021، قام مادورو بتوقف تقني جديد في الجزائر، استُغل سياسيا ودبلوماسيا إلى أبعد مدى إذ سلّمه الوزير الأول أيمن بن عبد الرحمان رسالة شخصية من تبون تدعوه فيها الرئاسة الجزائرية إلى القيام بزيارة رسمية ولم يتأخر تجسيد هذه الدعوة.

فبعد أقل من سبعة أشهر، في 9 يوليوز 2022، حلّ مادورو بالجزائر في زيارة وُصفت رسميا بأنها زيارة “صداقة وعمل” وتوجت بتوقيع اتفاقيات اقتصادية اعتبرها الطرفان “هامة” مع إعلان الجانب الجزائري عن الافتتاح الوشيك لخط جوي مباشر بين الجزائر وكاراكاس، في خطوة تحمل أبعادا اقتصادية، لكنها لا تخلو من رسالة سياسية غرضها ترسيخ محور طاقي وسياسي يمتد من سواحل الكاريبي إلى الضفة الجنوبية للمتوسط.

في 15 يوليوز 2023، عادت الطائرة الرئاسية الفنزويلية لتهبط مجددا في الجزائر، وهذه المرة وهو في طريق عودته من زيارة دولة إلى الصين ورغم أن الأمر قُدم في البداية كتوقف تقني، فإن رمزيته لم تكن أقل من زياراته السابقة، فمجرد اختيار مادورو للجزائر كمنصة عبور بين بكين وكاراكاس يعكس موقعها في هندسته الخاصة للتحالفات الدولية.

وفي 13 غشت 2024، سيتكرر السيناريو ذاته، توقف تقني يتحوّل إلى زيارة رسمية دامت أربعا وعشرين ساعة، بطقوس بروتوكولية مكتملة، وبصور تؤكد أن النظامين يحرصان على إظهار مستوى استثنائي من القرب السياسي، في مرحلة كانت فيها فنزويلا تحت ضغط داخلي وخارجي متصاعد، وكانت الجزائر تبحث عن حلفاء يؤثثون خطابها المناهض لما تسميه “الهيمنة الغربية”.

في هذا السياق، لا يبدو غريبا أن يُقدّم النظام الجزائري مادورو، الملّقب بـ”سوبر شارب” باعتباره صوتا مكملا لسرديته هو نفسه فهما نظامان يرفعان لواء ثورتين، البوليفارية والجزائرية، دون أن يكون قادتهما من فاعليها التاريخيين أو ورثتها الفعليين وهما نظامان يحتكران السلطة بشكل مطلق ويمدّدانه عبر أدوات القمع وأجهزة الأمن، فيما تُبدّد الثروات الهائلة من النفط والغاز في شبكات فساد معقدة بدل توجيهها نحو تنمية حقيقية نظامان يستثمران في خطاب “الذاكرة” و”المقاومة” لتغطية هشاشة الشرعية الداخلية وضيق الهامش السياسي.

وإلى حدود صبيحة السبت الماضي كان النظامان الجزائري والفنزويلي تحت قيادة مادورو يشبهان في نظر كثير من المراقبين، توأمين سياسيين يتغذيان من المخزون نفسه من الشعارات والثروات الريعية والخوف من أي انفتاح ديمقراطي جدي.

لهذا السبب بالذات، لم يكن وقع عملية الاعتقال “الدرامية” لمادورو على النظام الجزائري مجرد خبر مزعج عن سقوط حليف بعيد جغرافيا فلقد مثّلت العملية، في رمزيتها وسرعتها وطريقة تنفيذها كابوسا سياسيا وعسكريا مكتمل الأركان، فالرئيس الفنزويلي، الذي ظلّ يقدّم نفسه بوصفه قائد دولة ذات قوة عسكرية قادرة على ردع الجارة كولومبيا وغيرها، وجد نفسه مخلوعا في ساعات قليلة بعدما اخترقت القوات الخاصة الأمريكية دفاعات بلاده الجوية والبرية دون خسارة جندي واحد ووصلت إلى قلب كاراكاس إلى القصر الرئاسي بالذات واعتقلت رجلا كان يعلم جيدا أنه في خطر، لكنه لم يكن يتوقع أن ينهار كل شيء بهذه السرعة.

ويزيد من ثقل سقوط مادورو، أنه يلتحق بسلسلة من التجارب المريرة التي لحقت بحلفاء آخرين للنظام الجزائري في مناطق مختلفة من سوريا إلى إيران ولبنان وفنزويلا نفسها ففي كل مرة، يجد النظام نفسه أمام نموذج سياسي قريب منه يتعرض لهزة عنيفة أو لحصار دولي أو لانهيار داخلي فيتصرّف بحذر مفرط مترددا بين تأييد معلن يخشى تبعاته الخارجية وتفهم مبطن لا يستطيع تصريفه في لغة دبلوماسية واضحة.

بيد أنه هذه المرة، ومع حجم العملية الأميركية في كاراكاس ورمزيتها، بدا أن أفضل ما يمكن للجزائر فعله هو الامتناع عن الفعل والاكتفاء بالصمت، والرهان على أن مرور الوقت سيُحوّل الحدث إلى مجرد عنوان إضافي في نشرات الأخبار.

ولم يصدر عن وزارة الخارجية الجزائرية على غير العادة أي بلاغ، ولا نُقل عن الرئيس تبون أي تعليق ولا تحركت ماكينة الخطاب الرسمية التي اعتادت، في مناسبات أقل أهمية، إصدار بيانات مطولة دفاعا عن حلفاء أقل وزنا من مادورو في بلد قدّم نفسه باعتباره “قوة ضاربة” إقليمية وبوصفه حاملا لراية “الممانعة” في المحافل الدولية، عجز عن توفير حتى “دعم لفظي” بسيط لأقرب أصدقائه وأكثرهم زيارة لعاصمته.

وفي هذا الإطار، يرى المحلل السياسي الجزائري محمد بومالة أن صمت السلطة في الجزائر إزاء اعتقال نيكولاس مادورو هو انعكاس لصدمة سياسية عميقة داخل هرم النظام معتبرا أن “النظام الجزائري لم يفقد مجرد حليف خارجي بل خسر مرآة كان يطالع من خلالها نفسه ويستمد منها نوعا من الطمأنينة الإيديولوجية”.

وأوضح بومالة في حديثه لـ “الصحيفة” أن العلاقة بين الجزائر وفنزويلا لم تكن عادية بل كانت علاقة تقاطع في نموذج الحكم من حيث نفس بنية السلطة المغلقة ونفس الارتهان للريع الطاقي ونفس الخطاب الثوري المتآكل الذي يستعمل كبديل عن الشرعية الديمقراطية ونفس الهواجس الأمنية التي تجعل أي إصلاح سياسي حقيقي تهديدا وجوديا”.

بومالة المعارض المنفي في فرنسا من وجهة نظره، “ما يؤلم السلطة في الجزائر اليوم ليس سقوط مادورو في حد ذاته، بل الطريقة التي سقط بها فهو نظام كان يروّج لقوة عسكرية مهابة انهار في ساعات قليلة ودولة كانت ترفع شعار السيادة المطلقة وجدت نفسها عاجزة أمام تدخل خارجي مباشر”.

وتابع المتحدث: ” هذه الرسالة قرأها صانعو القرار في الجزائر جيدا، ولذلك فضّلوا الهروب إلى الصمت بدل الدخول في مواجهة سياسية أو أخلاقية مع حقيقة موجعة وهي أن النموذج السياسي المغلق قابل للانهيار مهما بدا صلبا”.

ويعتبر الخبير في تصريحه لـ “الصحيفة” أن “المأزق الحقيقي للنظام الجزائري اليوم يتمثل في أنه لا يستطيع حتى الدفاع لفظيا عن حليفه، لأن مجرد إصدار بيان سيضعه أمام أسئلة محرجة داخليا وخارجيا هل يدين التدخل الأميركي بينما هو نفسه يعجز عن حماية شرعية حلفائه؟ هل يساند مادورو وهو يرى المجتمع الدولي يعتبر نظامه جزءا من المشكلة وليس جزءا من الحل؟”.

 وأردف: “لهذا كان الصمت أقل الأضرار بالنسبة للنظام، لكنه في الحقيقة أكثر المواقف فداحة سياسيا، فهو يكشف خوف السلطة من مواجهة الحقيقة، ويؤشر إلى هشاشة ثقتها بنفسها، ويؤكد أن الجزائر الرسمية لم تعد تمتلك القدرة على صياغة موقف سيادي واضح عندما يتعلق الأمر بحلفاء يشبهونها أكثر مما يشبهون العالم”.



Source link

Exit mobile version