المغرب نيوز

الولاية المشتركة ضرورة لا مغالبة

الولاية المشتركة ضرورة لا مغالبة


إن الاجتهاد المستبصر لازال مطلوبا على مستوى مجموعة من القوانين ببلادنا، ومن بينها نجد موضوع الولاية القانونية الذي تنص عليه مدونة الأسرة بالمواد:230-231، والذي يجعل من الولاية مسألة حصرية للأب، ونقاش الموضوع في رأيي لن يسير في اتجاه إقصاء وجود الأب وأهميته البالغة داخل الأسرة، كما أنه لن يتوافق والتصورات الداعية لخلق نموذج أسري أميسي أو ما شابه، لكنه بالمقابل سيتجه نحو تطوير التشريعات والقضاء الأسري، وترسيخ بصمته الاجتماعية ومواكبتها للتغيرات والمستجدات، والعمل على تعديل المواد بما ينأى عن تعقيد الحياة مهما كانت الأوضاع وطبيعة العلاقات.

ففلسفة الأسرة تقوم على ذلك التوازن القائم بين الأب والأم، وتكامل الأدوار والوظائف بينهما لضمان نوع من الاستقرار، والولاية القانونية هدفها الأساس هو حفظ مصلحة الأبناء وتوفير احتياجاتهم المادية والمعنوية، وهو ما يحيلنا على القوامة كصفة لصيقة بالأب داخل كنف الأسرة وأثناء قيام العلاقة الزوجية ، لكننا عندما نتحدث عن انحلال ميثاق الزوجية، فنحن نتحدث عن طرفين استقل كل منهما بأسرته وحياته، ما يجمعهما هو الأبناء إن وجدوا، وبالتالي وجب العمل على أداء وظائفهما تجاههم بنفس الدرجة، بما يضمن تنشئة وظروف سليمة للمحضون، فتدبير الحياة والأبناء سواء داخل العلاقة الزوجية أو بعد انحلالها، يجب أن يتسم بالإنصاف أكثر، دون ترسيخ لمبدأ الدونية في حق المرأة، وسلبها الحق في المشاركة الفعالة في تربية الأبناء وإدارة شؤونهم، وتصويرها على أنها غير قادرة على اتخاذ القرارات.

في شق آخر نجد أن الأم تتحمل مسؤولية جانب كبير من التربية والرعاية، والإعداد والاهتمام وهذا يسري مع طبيعة دورها ووظيفتها الاجتماعية، ما يمنحها هالة من التقدير والامتنان لدورها، فلطالما تم تلقيننا أن الأم مدرسة… وأن المرأة نصف المجتمع… فكيف لنصف المجتمع ألا يملك الحق في إجراء إداري يخص أبناءه ومصلحتهم؟

ومن المفارقات أيضا نجد أن القانون يمنح الأفضلية للأم بالدرجة الأولى في موضوع الحضانة، لكن في نفس الوقت ينزع منها أحقية الولاية القانونية المشتركة، فكيف للحاضن ألا يقضي مآرب أبنائه؟

هذه المقارنات لا ينبغي أن يفهم منها أنها من باب الندية، أو الصراع العقيم المفتعل بين الرجل والمرأة، بل يجب أن نطل من خلالها على حجم الإشكالات الواقعية، التي أدت إلى طرح هذا الموضوع وإثارته، وأبرزها عدم قدرة الأم على تنقيل الأبناء من المدرسة، وعدم التمكن من إنجاز الوثائق الإدارية الخاصة بهم مثل البطاقة الوطنية، وفتح الحسابات البنكية لهم أو السفر بالمحضون…

هي مسائل عادية لكن قانونيا لا يمكنها الإقدام عليها بمفردها وبسلاسة، دون اللجوء إلى مجموعة من الإجراءات القانونية، بل حتى أنه في بعض الحالات يغيب أو ينعدم الدور الأصيل للأب تجاه أبناءه، من مسؤوليات والتزامات مادية ومعنوية، لكن لا تغيب أفضليته القانونية عند أي خطوة تخصهم كبيرة أو صغيرة.

فمن غير المعقول أن تضطر الأم لمكابدة العناء، والتنقل بين أروقة الإدارات من أجل قضاء مصلحة إدارية لأبنائها، فالأصل في الموضوع هو تيسير الحياة لا تعقيدها، خصوصا في الوقت الذي يجب إمدادها بسبل التخفيف من حدة المسؤوليات الملقاة عليها بعد الطلاق، وتعبيد الطرق أمامها شريطة ألا يضر هذا التيسير بحقوق الأب، بصفته وليا أيضا وشريكا في التربية والرعاية.

ولعل الممارسين في مجموعة من الإدارات العمومية، يعون جيدا العراقيل المطروحة على أرض الواقع، خصوصا قبل امتحانات الباكالوريا أو في فترة الدخول المدرسي الخ.

مما يحتم على الأمهات اللجوء إلى المحاكم، ونذكر هنا القضاء الاستعجالي ومساهمته في البث في مجموعة من القضايا، من بينها طلبات تدخل في مجال القضاء الأسري كالسفر بالمحضون خارج البلد وغيرها، بالإضافة إلى اجتهادات النيابة العامة خصوصا فيما يتعلق بالانتقالات المدرسية، ويأتي ذلك استنادا لمبدأ الحفاظ على المصلحة الفضلى للطفل، وتماشيا مع مقتضيات مدونة الأسرة كالمادة 54 والدستور المغربي في مادته 19 الذي يقر بالمساواة في الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية، وحق التمدرس في الذي تنص عليه الفصول 31 و32، وهو ما تكفله أيضا المواثيق والاتفاقيات الدولية.

فالعلاقات الزوجية في مجتمعنا، غالبا ما تنتهي بالرغبة في الانتقام والتضييق والشد والجزم، مما يجعل مصلحة الأبناء على المحك، وخاضعة لمزاجية الطرفين وهو ما يستدعي تدخل القانون لحماية الحقوق وتصويب المسارات، وهذا من باب مسايرة التغيير والشمولية في مجموعة من القضايا، و الأوضاع والحالات المستجدة، لأن المجتمع في حركية وتطور متواصل، يتحتم معه الإصلاح المستمر للقانون، وتعديل ما يمكن تعديله وفقا للاختلالات التي أظهرها الواقع العملي والميداني اليوم، وهو ما نأمله في التعديلات المقبلة لمدونة الأسرة بعد مرور 22 سنة من العمل بها.

وموازاة مع اليوم العالمي للمرأة فالاحتفال قد لا يكون مجديا بالورود والشعارات المستهلكة، أكثر من أن يمس جانبا حقوقيا يترجم على أرض الواقع إلى قوانين منصفة، وحياة اجتماعية مستقرة والتي تنعكس إيجابا على الأسرة والمجتمع، بل هو فرصة لاستقراء حصيلة الانجازات والمكتسبات والتحديات التي لا تزال قائمة.

أخصائية اجتماعية ومدونة-



Source link

Exit mobile version