المغرب نيوز

باحتكاره أكثر من 47 في المائة من الإنتاج.. قواعد “صُنع في إفريقيا” تضع المغرب في صدارة الرابحين وتعيد رسم خريطة صناعة السيارات بالقارة

باحتكاره أكثر من 47 في المائة من الإنتاج.. قواعد “صُنع في إفريقيا” تضع المغرب في صدارة الرابحين وتعيد رسم خريطة صناعة السيارات بالقارة


أعاد الاتفاق الجديد لقواعد المنشأ في إطار منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية رسم خريطة صناعة السيارات في القارة، واضعا المغرب في صدارة المستفيدين من هذا التحول الصناعي، في وقت يفتح فيه اعتماد معيار موحد لـ”صُنع في إفريقيا” الباب أمام بناء سلاسل قيمة قارية وتعزيز موقع المملكة كقطب صناعي وتصديري في سوق إفريقية مرشحة لنمو متسارع خلال العقد المقبل.

وتُعيد القارة الإفريقية رسم ملامح صناعتها التحويلية في واحدة من أهم محطات إعادة تشكيل الاقتصاد الإقليمي بعد دخول قواعد المنشأ الجديدة الخاصة بقطاع السيارات في إطار منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية حيّز التنفيذ، وهي الخطوة التي تضع لأول مرة تعريفا موحدا لمفهوم “صُنع في إفريقيا” وتفتح الباب أمام بناء منظومة صناعية متكاملة عابرة للحدود في وقت يبرز فيه المغرب كأحد أبرز المستفيدين والمرشحين لقيادة هذه الدينامية الجديدة.

وبحسب تحليل صادر عن مؤسسة BMI التابعة لـ”فيتش سولوشنز”، فإن الاتفاق الجديد الذي تم توقيعه منتصف فبراير 2026، لا يمثل مجرد تعديل تقني في قواعد التجارة بل يشكل تحولا هيكليا في طريقة تنظيم الصناعة الإفريقية، من خلال وضع إطار قانوني موحد يحدد شروط الاستفادة من الامتيازات الجمركية ويمنح الفاعلين الصناعيين رؤية أوضح لتطوير استثماراتهم وبناء سلاسل توريد على مستوى القارة.

ويأتي هذا التحول في سياق يتسم بنمو متسارع لسوق السيارات الإفريقية، حيث تشير التوقعات إلى أن الإنتاج سيبلغ حوالي 1,5 مليون وحدة في سنة 2026 مع إمكانية الوصول إلى 2,2 مليون وحدة بحلول سنة 2035، بينما يُرتقب أن ترتفع المبيعات إلى نحو 3,4 ملايين وحدة بمعدل نمو سنوي يقارب 5,7% وهو ما يعكس حجم الرهانات المرتبطة بهذا القطاع الحيوي في مسار التصنيع الإفريقي.

في هذا السياق، يبرز المغرب إلى جانب جنوب إفريقيا كأحد أهم الأقطاب الصناعية المرشحة للاستفادة المباشرة من هذه القواعد الجديدة بفضل ما راكمه من بنية صناعية متقدمة خلال أكثر من عقدين من الاستثمارات خاصة مع استقرار شركات عالمية كبرى في طنجة والقنيطرة، وتطور شبكة واسعة من المجهّزين المحليين والدوليين.

وتعكس الأرقام هذا التموقع بوضوح، إذ استحوذ المغرب سنة 2025 على نحو 47,2% من إجمالي الإنتاج القاري للسيارات، متقدما على جنوب إفريقيا (43,7%)، وبفارق كبير عن الجزائر (4,6%) ومصر (3,2%)، ما يجعل منه اليوم أحد الأعمدة الأساسية للصناعة السياراتية في إفريقيا، وقاعدة تصديرية استراتيجية نحو الأسواق الأوروبية والدولية.

غير أن أهمية الاتفاق الجديد لا تكمن فقط في تعزيز موقع الدول المتقدمة صناعيا، بل في كونه يعالج أحد أبرز الاختلالات التي كانت تعيق التجارة داخل القارة والمتمثلة في غياب تعريف موحد لمفهوم “صُنع في إفريقيا” وهو ما كان يفرض على المصنعين التعامل مع أنظمة وطنية متباينة، ويحد من إمكانية بناء سلاسل قيمة إقليمية.

ويضع الاتفاق الجديد حدا لهذا التشتت، من خلال تحديد نسبة 40% كمحتوى إفريقي أدنى لاعتبار المنتج “مصنوعا في إفريقيا” مع السماح بنسبة تصل إلى 60% من المكونات المستوردة، على أن يُعاد النظر في هذا السقف بعد خمس سنوات وهو ما يمنح مرونة مرحلية للصناعة الإفريقية مع تحفيز تدريجي نحو تعميق التصنيع المحلي.

ويمتد تطبيق هذه القواعد إلى طيف واسع من المنتجات المرتبطة بقطاع السيارات، بما يشمل مختلف التصنيفات الجمركية من 8701 إلى 8716، وهو ما يفتح المجال أمام إعادة هيكلة شاملة لسلاسل التوريد ليس فقط على مستوى التجميع، بل أيضا في ما يتعلق بإنتاج المكونات والمواد الأولية من الحديد والصلب إلى الأنظمة الإلكترونية والبطاريات.

وبالنسبة للمغرب، الذي يقوم نموذجه الصناعي على التصدير والإنتاج المنظم، فإن هذا التحول يمثل فرصة استراتيجية لتعزيز موقعه كمركز صناعي قاري خاصة في ظل توفره على بنية تحتية متطورة ومنصات لوجستية فعالة واتفاقيات تبادل حر متعددة، إلى جانب خبرة متراكمة في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

غير أن التقرير يحذر في المقابل من أن حجم الاستفادة من هذه القواعد سيظل رهينا بمدى جودة تنفيذها على أرض الواقع، خاصة في ما يتعلق بتبسيط الإجراءات الجمركية وتعزيز التنسيق بين الإدارات وضمان انخراط الفاعلين الصناعيين في هذه المنظومة الجديدة تفاديا لتحولها إلى مجرد إطار نظري لا ينعكس فعليا على تدفقات التجارة والاستثمار.

وفي هذا الإطار، تتوقع الدراسة أن يستفيد المغرب وجنوب إفريقيا بشكل أكبر في المرحلة الأولى بالنظر إلى جاهزية منظومتيهما الصناعيتين، في حين قد تحتاج دول أخرى مثل كينيا أو غانا إلى وقت أطول لتطوير قدراتها الصناعية والاستجابة للمتطلبات التقنية والتنظيمية.

ومع ذلك، تظل هذه القواعد فرصة مفتوحة أمام الدول الإفريقية الأقل تقدما للاندماج التدريجي في سلاسل القيمة، خاصة عبر التخصص في إنتاج مكونات معينة أو مواد أولية تدخل ضمن حساب المحتوى المحلي، وهو ما قد يساهم في خلق دينامية صناعية جديدة على مستوى القارة.

وترسم الدراسة ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل هذا التكامل أولها سيناريو محدود تبقى فيه المكاسب ضعيفة بسبب العراقيل الإدارية وضعف التنسيق، وثانيها سيناريو متوسط يُرجح أن تستفيد فيه المراكز الصناعية الكبرى بشكل تدريجي، وثالثها سيناريو متقدم يتحقق فيه اندماج فعلي بفضل إصلاحات عميقة تشمل تحديث الأنظمة الجمركية وتوحيد المعايير وتعزيز القدرات المؤسساتية.

وتستحضر الدراسة في هذا السياق تجارب ناجحة مثل الاتحاد الأوروبي ورابطة دول جنوب شرق آسيا، حيث شكلت قواعد المنشأ أداة فعالة لتعزيز التكامل الصناعي، بفضل وضوح الإطار القانوني وفعالية آليات التنفيذ.

ويجد المغرب نفسه اليوم أمام فرصة تاريخية لتعزيز موقعه كقطب صناعي قاري في قطاع السيارات غير أن الحفاظ على هذا التقدم يتطلب تعميق الاندماج الإفريقي وتطوير شراكات صناعية عابرة للحدود وتعزيز الارتباط بالأنظمة الصناعية الناشئة في وقت يُنتظر أن تدفع فيه مراجعة نسبة المكونات المستوردة خلال السنوات المقبلة نحو مزيد من توطين الإنتاج.

وبين رهانات الاندماج القاري وتحديات التنفيذ، تبدو قواعد المنشأ الجديدة أكثر من مجرد آلية تجارية، إذ تشكل اختبارا حقيقيا لقدرة إفريقيا على الانتقال من سوق استهلاكية إلى قوة صناعية متكاملة، وفي قلب هذا التحول يبرز المغرب كأحد أبرز الفاعلين القادرين على تحويل هذا الطموح إلى واقع اقتصادي ملموس.



Source link

Exit mobile version