



أقرّ الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالعلاقات مع البرلمان، الناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى بايتاس، بوجود إكراهات بنيوية تعترض عمل جمعيات المجتمع المدني، وعلى رأسها تحديات التمويل واستدامة البرامج، داعياً إلى تجاوز منطق الاعتماد شبه الكلي على الدعم العمومي والانفتاح على “التمويلات البديلة” كخيار استراتيجي لتعزيز استقلالية الفعل الجمعوي وضمان استمرارية أدواره في التنمية.
ودعا الوزير، خلال كلمته في الجلسة الافتتاحية للمنتدى الوطني السادس للجمعيات، المنعقد بمدينة الرشيدية، إلى فتح أفق جديد أمام تمويل جمعيات المجتمع المدني، معتبراً أن الرهان لم يعد فقط في حجم الدعم العمومي، بل في تنويع مصادره وضمان استدامته.
وشدد على أن الجمعيات تحظى بمكانة دستورية واضحة، مذكراً بأنها “الشريك الأساسي للسلطات العمومية والمؤسسات المنتخبة في إعداد وتتبع وتقييم السياسات العمومية وطنياً وبرامج التنمية ترابياً”، وذلك انسجاماً مع التوجيهات الملكية التي ما فتئت تشيد بأدوار المجتمع المدني في الأوراش التنموية.
ولم يُخفِ المسؤول الحكومي وجود إكراهات تعترض العمل الجمعوي، خاصة ما يتعلق بتمويل البرامج والمشاريع، قائلاً إن “التشخيص الكمي والقيمي لواقع المجال الجمعوي بالمغرب يُظهر وجود بعض الإكراهات التي تواجه استدامة أداء جمعيات المجتمع المدني، وخاصة تلك المتعلقة بتمويل برامجها ومشاريعها”.
ورغم تأكيده أن معدل الدعم العمومي السنوي الموجه للجمعيات “يتجاوز خمسة مليارات درهم”، استناداً إلى تقارير الشراكة بين الدولة والجمعيات، أقرّ الوزير بأن تنامي حاجيات الجمعيات يفرض البحث عن آليات تمويلية مكملة، موضحا في هذا السياق أن الوزارة أنجزت، بشراكة مع الاتحاد الأوروبي، دراسة حول التمويلات البديلة مدعومة بمقارنة دولية شملت تجارب كندا وفرنسا وكينيا، “سعياً منا إلى إيجاد حلول ناجعة لتعزيز مصادر تمويل الجمعيات”.
واعتبر بايتاس أن موضوع التمويلات البديلة “أصبح يكتسي طابعاً ملحاً وذو راهنية في الشأن الجمعوي”، خاصة بعد صدور القانون رقم 15.18 المتعلق بالتمويل التعاوني، وإحداث منصات رقمية معتمدة لتمويل المشاريع خارج الإطار التقليدي القائم أساساً على ميزانية الدولة.
وفي عرض لمختلف الصيغ الممكنة، أشار بايتاس إلى أهمية تنويع الشراكات مع القطاع الخاص، وتفعيل المسؤولية الاجتماعية للمقاولات، والأنشطة المدرة للدخل، والرعاية وتقديم الخدمات، معتبراً أن هذه الآليات “تشكل آليات استراتيجية للنهوض بأدوار المجتمع المدني في التنمية”.
كما شدد على ضرورة تحديث أساليب اشتغال الجمعيات، مؤكداً أن اعتماد الرقمنة والتكنولوجيا الحديثة بات “ضرورة ملحة سواء في أساليب التدبير الحديثة للكفاءات البشرية والموارد المالية وتنفيذ المشاريع وتتبعها ورصد آثارها”.
وربط الوزير بين تقوية المجتمع المدني وترسيخ أسس الدولة الاجتماعية، معتبراً أن “بناء الوطن من خلال المساهمة الفعالة في المسار التنموي الشامل والمستدام مسؤولية ملقاة على عاتق كل القوى الحية ببلادنا”.
وفي جلسة علمية لمناقشة موضوع “الإطار القانوني والمؤسساتي للتمويلات البديلة”، سلط عبد الإله حراث، ممثل قسم تنظيم التمويل الرقمي ببنك المغرب، الضوء على الإطار القانوني للتمويل التعاوني، وآليات الضبط والرقابة المرتبطة به، ودور هذا التنظيم في تعزيز الثقة وحماية مختلف المتدخلين، مبرزا أهمية الإطار التنظيمي للتمويل الرقمي، ودور بنك المغرب في ضمان الشفافية، وحماية المستعملين، وتعزيز الثقة في آليات التمويل البديل.
واستعرض كريم بوحفص، رئيس قسم برنامج دعم التمويل الدامج ب «التعاون الألماني للتنمية” (GIZ)، تجربة برنامج دعم التمويل الدامج، متوقفا عند فلسفة هذا النموذج، وآليات الدعم والمواكبة، وكذا قابلية استفادة جمعيات المجتمع المدني من هذه البرامج من أجل تقوية واستدامة مشاريعها.
وتميزت أطوار هذه الجلسة بنقاش بناء وعميق من خلال الأسئلة والملاحظات التي طرحها ممثلو جمعيات المجتمع المدني الحاضرة، مشددين على أهمية هذا الموضوع والحاجة الملحة لنشر ثقافة التمويلات البديلة كرافعة لتعزيز أدوار الجمعيات التنموية.
وجدير بالذكر، أن هذا المنتدى السادس يندرج ضمن سلسلة المنتديات الجهوية التي تشرف عليها الوزارة في إطار تنفيذ محاور استراتيجية “نسيج 2022-2026” الهادفة إلى تقوية القدرات التنظيمية والمؤسساتية لجمعيات المجتمع المدني، وتعزيز استقلاليتها المالية.
Source link
