مع اتساع رقعة الحرب في الشرق الأوسط وارتفاع منسوب التوتر العسكري في الخليج، بدأت تداعيات الصراع تتجاوز جغرافية المواجهة لتطال اقتصادات مرتبطة بالنظام الطاقي والتجاري العالمي، ومن بينها المغرب.
فالمملكة، التي تعتمد على الخارج لتغطية أكثر من 90 في المائة من حاجياته من الطاقة، وترتبط بشبكة مصالح اقتصادية واستثمارية واسعة مع دول الخليج والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، تجد نفسها أمام موجة ارتدادية متعددة الأبعاد تكمن في ارتفاع سريع في أسعار النفط والغاز، اضطرابات محتملة في طرق الشحن العالمية، وضغوط جديدة على الميزان التجاري والتضخم.
وفي خضم هذه التحولات، تتحول الحرب الدائرة بعيدا عن حدود المملكة اختبار حقيقي لقدرة الاقتصاد المغرب على امتصاص صدمات جيوسياسية كبرى تتشكل خارج مجاله المباشر.
ومنذ الضربات العسكرية التي استهدفت منشآت إيرانية في نهاية فبراير الماضي، وما أعقبها من ردود صاروخية وهجمات على منشآت طاقية في الخليج، بدأت الأسواق العالمية تعكس بسرعة حجم القلق من اتساع نطاق المواجهة.
وفي غضون أيام قليلة فقط، ارتفعت أسعار النفط بشكل حاد، حيث قفز سعر خام برنت إلى ما يقارب 82 إلى 84 دولارا للبرميل، وهو أعلى مستوى يسجله منذ أكثر من عام، مع مخاوف جدية من اضطراب تدفقات الطاقة العالمية.
السبب الرئيسي لهذا التوتر يكمن في موقع الخليج داخل الجغرافيا الطاقية للعالم، فمضيق هرمز، الذي تمر عبره نحو 20 في المائة من تجارة النفط والغاز المسال عالميا، تحول مرة أخرى إلى نقطة اختناق استراتيجية تهدد استقرار الأسواق الدولية، ومع تصاعد الهجمات وتهديدات إغلاق المضيق، توقفت عشرات ناقلات النفط عن العبور، بينما اضطرت شركات الشحن الكبرى إلى تعليق بعض الرحلات أو تغيير مساراتها، ما أدى إلى ارتفاع كبير في تكاليف النقل والتأمين البحري.
في هذا السياق العالمي المضطرب، يظهر المغرب كأحد الاقتصادات الأكثر حساسية للصدمات الطاقية الخارجية، فالمملكة تُعد من بين الدول التي تعتمد بشكل كبير على الاستيراد لتأمين احتياجاتها من الطاقة، إذ تستورد ما يقارب 90 في المائة من حاجياتها الطاقية من الخارج، أساسا في شكل نفط وغاز وفحم.
وهذا الاعتماد الهيكلي يجعل أي اضطراب في الأسواق الدولية يتحول بسرعة إلى ضغط مباشر على الاقتصاد الوطني، ففي عام 2024 بلغت واردات المغرب من الطاقة نحو 113.8 مليار درهم، رغم انخفاضها نسبيا مقارنة بالسنوات السابقة بسبب تراجع الأسعار العالمية غير أن عودة الأسعار إلى الارتفاع في سياق الحرب الحالية قد تعيد هذه الفاتورة إلى مستويات أعلى، خاصة إذا استمر النفط في الارتفاع أو تجاوز سقف 90 دولارا للبرميل.
اقتصاديا، لا تتوقف آثار هذه الصدمة عند حدود الميزان التجاري، فارتفاع أسعار النفط والغاز ينعكس مباشرة على تكلفة الإنتاج في الاقتصاد المغربي، والنقل البري والبحري والجوي يعتمد بشكل شبه كامل على المشتقات النفطية، كما أن العديد من القطاعات الصناعية والفلاحية تستخدم الطاقة كمدخل إنتاج أساسي، ولهذا، فإن أي زيادة مستدامة في أسعار الطاقة تنتقل تدريجيا إلى أسعار السلع والخدمات، ما يخلق ضغطا تضخميا إضافيا على القدرة الشرائية للأسر.
لكن التأثيرات لا تقتصر على الجانب الطاقي فقط، فالحرب الدائرة في الخليج بدأت أيضا تعطل سلاسل الإمداد العالمية فالهجمات التي طالت منشآت وموانئ طاقية في المنطقة أدت إلى شلل جزئي في حركة السفن، حيث علقت آلاف السفن التجارية في الخليج بانتظار استئناف الملاحة، بينما اضطرت شركات النقل إلى تحويل جزء من حركة الشحن عبر طرق أطول وأكثر تكلفة.
وبالنسبة للمغرب، الذي تحول خلال العقدين الأخيرين إلى منصة صناعية ولوجستية كبرى في حوض المتوسط، فإن هذه الاضطرابات قد تؤثر على تدفق المواد الأولية والمكونات الصناعية القادمة من آسيا والشرق الأوسط.
وتبرز صناعة السيارات مثالا واضحا على ذلك، إذ تعتمد المصانع المرتبطة بمنظومة طنجة المتوسط على سلاسل إمداد عالمية معقدة تمتد من أوروبا إلى شرق آسيا وأي تأخير في وصول المكونات الإلكترونية أو الصناعية يمكن أن يؤثر على وتيرة الإنتاج وعلى قدرة هذه المنظومة على احترام جداول التسليم للأسواق الأوروبية.
كما قد تتأثر قطاعات أخرى مثل الصناعات الكيماوية والفوسفاطية والصناعات الغذائية، التي تعتمد على الطاقة وعلى عدد من المدخلات المستوردة من الأسواق العالمية.
غير أن ارتدادات الحرب لا تتوقف عند حدود الطاقة وسلاسل الإمداد الصناعية، بل تمتد أيضا إلى قطاعات حيوية أخرى في الاقتصاد المغربي، من بينها النقل الجوي والسياحة وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج والاستثمارات الخليجية.
فمع اتساع رقعة التوتر العسكري في الخليج، اضطرت العديد من شركات الطيران العالمية إلى إعادة تقييم مساراتها الجوية لتفادي المجالات الجوية القريبة من مناطق المواجهة، وهو ما يؤدي عادة إلى إطالة زمن الرحلات وارتفاع تكاليف التشغيل بسبب زيادة استهلاك الوقود ورسوم العبور الجوي.
وبالنسبة للمغرب، الذي يعتمد على الربط الجوي الدولي كأحد أعمدة قطاعه السياحي والاقتصادي، فإن أي اضطراب في حركة الطيران عبر الشرق الأوسط قد ينعكس على جزء من حركة النقل الجوي نحو آسيا أو الخليج .فالخطوط الجوية الملكية المغربية على سبيل المثال، تعتمد على عدد من الوجهات الخليجية مثل دبي والدوحة كجسور عبور نحو أسواق آسيوية أو كمراكز استقطاب للمسافرين من رجال الأعمال والسياح، كما تشكل هذه الخطوط جزءا مهما من شبكة الشحن الجوي. لذلك فإن أي توتر طويل الأمد في المجال الجوي للمنطقة قد يؤدي إلى تقليص بعض الرحلات أو تحويلها إلى مسارات أطول، ما يرفع التكاليف التشغيلية ويؤثر على مردودية هذه الخطوط.
ولا تقتصر التأثيرات المحتملة على النقل الجوي فقط، بل قد تمتد أيضا إلى قطاع السياحة الذي يعد أحد أهم مصادر العملة الصعبة في الاقتصاد المغربي. ففي السنوات الأخيرة تمكن المغرب من استعادة زخمه السياحي بعد أزمة جائحة كوفيد-19، حيث تجاوز عدد السياح الوافدين 14.5 مليون سائح في سنة 2023 وارتفع إلى حوالي 19,8 مليون سائح خلال 2025 وفق معطيات وزارة السياحة غير أن الأزمات الجيوسياسية الكبرى غالبا ما تؤثر على سلوك السفر الدولي، إذ يؤدي تصاعد المخاطر الأمنية في منطقة واسعة مثل الشرق الأوسط إلى ارتفاع كلفة التأمين الجوي وتردد بعض المسافرين في السفر لمسافات طويلة، وهو ما قد ينعكس بشكل غير مباشر على حركة السياحة العالمية.
وفي موازاة ذلك، تبرز مسألة تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج كأحد العوامل التي قد تتأثر بشكل غير مباشر بأي اضطراب اقتصادي في منطقة الخليج فهذه التحويلات تمثل أحد أعمدة التوازن المالي للمغرب، إذ بلغت في السنوات الأخيرة مستويات قياسية تجاوزت 115 مليار درهم سنويا، ما يجعلها من أهم مصادر العملة الصعبة في البلاد إلى جانب الصادرات والسياحة.
وبينما تأتي الحصة الأكبر من هذه التحويلات من أوروبا، وخاصة فرنسا وإسبانيا وإيطاليا، فإن الجالية المغربية في دول الخليج تلعب أيضا دورا مهما في هذه التدفقات المالية.
فآلاف المغاربة يعملون في قطاعات حيوية داخل اقتصادات الخليج، من التعليم والخدمات الصحية إلى الهندسة والقطاع المالي، وأي اضطراب اقتصادي أو أمني طويل الأمد في هذه المنطقة قد ينعكس على سوق العمل هناك، وبالتالي على حجم التحويلات المالية التي ترسلها هذه الجالية إلى المغرب، فيما ورغم أن مثل هذا السيناريو لا يبدو وشيكا في الوقت الراهن، إلا أن استمرار الحرب لفترة طويلة قد يخلق بيئة اقتصادية أقل استقرارا في المنطقة، خاصة إذا أدى الصراع إلى تباطؤ اقتصادي أو تقلبات في أسواق الطاقة.
ومن زاوية أخرى، تطرح الحرب أيضا تساؤلات حول مستقبل الاستثمارات الخليجية في المغرب، التي شكلت خلال العقدين الماضيين أحد أهم روافد التمويل الخارجي للمملكة فقد استثمرت صناديق سيادية وشركات خليجية مليارات الدولارات في مشاريع عقارية وسياحية وبنيوية داخل المغرب، من بينها مشاريع سياحية ضخمة ومشاريع للطاقة والبنية التحتية وقد لعبت هذه الاستثمارات دورا مهما في تمويل عدد من المشاريع الاستراتيجية وفي دعم النمو الاقتصادي.
لكن في حالات الأزمات الإقليمية الكبرى، تميل رؤوس الأموال عادة إلى إعادة ترتيب أولوياتها والتركيز على الأسواق الداخلية أو المشاريع ذات المخاطر الأقل، لذلك فإن استمرار التوتر العسكري في الخليج قد يدفع بعض المستثمرين إلى تأجيل استثمارات جديدة أو إعادة تقييم مشاريع قيد الدراسة، وهو ما قد يبطئ وتيرة بعض الاستثمارات الأجنبية في المدى القصير.
ورغم كل هذه التحديات، فإن الأزمة الحالية قد تفتح أيضا نافذة فرص للمغرب على المدى المتوسط، فمع تصاعد التوتر في الشرق الأوسط، بدأت أوروبا تبحث بشكل متزايد عن شركاء قريبين جغرافيا يمكن الاعتماد عليهم لتأمين سلاسل الإمداد الطاقية والصناعية.
وفي هذا السياق يبرز المغرب كأحد أبرز المرشحين للعب دور أكبر في إعادة تشكيل بعض سلاسل الإنتاج العالمية، بفضل موقعه الجغرافي بين أوروبا وإفريقيا وبنيته التحتية اللوجستية المتقدمة، وعلى رأسها ميناء طنجة المتوسط الذي أصبح أحد أكبر موانئ الحاويات في البحر الأبيض المتوسط.
كما أن التحول العالمي نحو الطاقات المتجددة يمنح المغرب فرصة إضافية لتعزيز موقعه كمصدر محتمل للطاقة النظيفة نحو أوروبا، خاصة في مجالات الطاقة الشمسية والريحية والهيدروجين الأخضر، فالمشاريع الضخمة التي أطلقتها المملكة في هذا المجال خلال السنوات الأخيرة قد تجعلها في موقع استراتيجي داخل التحولات الطاقية العالمية، خاصة إذا استمرت أسعار الوقود الأحفوري في الارتفاع نتيجة التوترات الجيوسياسية.
