تتجه العلاقات بين موريتانيا ومالي نحو مرحلة من التوتر، في أعقاب حادثتين منفصلتين على الحدود المشتركة أعادتا تسليط الضوء على حساسية الوضع الأمني في منطقة الساحل، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع التحركات السكانية المعتادة وتنامي نشاط الجماعات المسلحة، ما يجعل أي تطور ميداني قابلا لأن ينعكس على مستوى العلاقات الثنائية.
وتعود أولى الوقائع إلى حادثة مقتل شابين موريتانيين في منطقة حدودية داخل الأراضي المالية قبل يومين، وهي حادثة أثارت تفاعلا واسعا في موريتانيا، سواء على المستوى الشعبي أو السياسي، في ظل مطالب بفتح تحقيق يوضح ملابسات ما جرى.
ولم تصدر السلطات الموريتانية، في البداية، موقفا تفصيليا بشأن الواقعة، بينما أعلنت الحكومة المالية فتح تحقيق رسمي في مقتل مواطنين موريتانيين قرب الحدود المشتركة، مؤكدة سعيها إلى تحديد المسؤوليات.
وفي بيان رسمي، نفت السلطات المالية وجود أي معطيات تشير إلى تورط الجيش المالي في الواقعة، مؤكدة التزام قواتها بالقواعد المعمول بها خلال العمليات الأمنية في المناطق الحدودية، خاصة في سياق مواجهة الجماعات المسلحة، كما أعلنت باماكو نيتها إرسال وفد إلى نواكشوط لبحث تعزيز التنسيق الحدودي، في إطار الجهود المشتركة لتأمين المدنيين والممتلكات.
في المقابل، قدمت عائلة الضحايا رواية مختلفة، إذ أفادت بأن الشابين كانا يرعيان الماشية داخل الأراضي المالية قبل أن يتم توقيفهما من طرف عناصر مسلحة، ليتم العثور عليهما لاحقا قتيلين، حيث أشارت المعطيات المتداولة إلى أن أحد الضحيتين أصيب برصاصة في الرأس، فيما أصيب الآخر برصاص في الظهر، قبل أن يتم العثور على الجثمانين وقد تعرضا للحرق، فيما تحدثت المصادر نفسها عن وجود جثة ثالثة في الموقع ذاته لم يتم التعرف على هويتها.
وعلى الصعيد الداخلي في موريتانيا، نقلت وسائل إعلام محلية تصريحات لنواب ومسؤولين سياسيين دعوا إلى توضيح ملابسات الحادثة وتعزيز الإجراءات الأمنية في المناطق الحدودية، في ظل تكرار حوادث مشابهة خلال السنوات الأخيرة.
وجاءت هذه الواقعة بعد حادثة ثانية تتعلق بإعلان الجيش المالي قيل أسبوع احتجاز جنديين تابعين له داخل الأراضي الموريتانية من طرف جماعة مسلحة، قبل أن يتمكنا من الفرار، حيث لم يقدم الجيش المالي تفاصيل دقيقة بشأن هوية الجماعة المسلحة أو ظروف الاحتجاز، لكنه أشار إلى أن الجنديين دخلا مدينة غوندام الواقعة وسط البلاد قبل وقوع الحادثة.
من جانبها، نفت موريتانيا هذه المعطيات، وأصدرت وزارة الخارجية بيانا اعتبرت فيه أن الاتهامات لا تستند إلى أي دليل، مؤكدة رفضها لما وصفته بادعاءات غير مؤسسة، مشددة على أهمية اعتماد القنوات الدبلوماسية في معالجة مثل هذه القضايا، بدل طرحها في المجال الإعلامي دون معطيات موثقة.
وتأتي هذه الوقائع في سياق أمني معقد تشهده المنطقة الحدودية بين البلدين، حيث تمتد الحدود عبر مناطق صحراوية واسعة تعرف حركة تنقل للبدو الرحل، إلى جانب نشاط شبكات تهريب مختلفة، إضافة إلى وجود جماعات مسلحة تنشط في بعض مناطق الساحل.
جدير بالذكر أن هذه التطورات تأتي في سياق إقليمي شهد توترات دبلوماسية سابقة، من بينها الأزمة التي شهدتها العلاقات بين مالي والجزائر عقب اتهام باماكو للجزائر بإسقاط طائرة مسيّرة مالية، وهي حادثة عصفت بالعلاقات بين البلدين وصلت حد إعلان القطيعة الديلوماسية لاسيما بعد إعلان تنظيمات أزواد، شهر دجنبر الماضي تأسيس تحالف سياسي جديد تحت اسم ائتلاف “القوى من أجل الجمهورية”، واضعة رجل الدين محمود ديكو على رأسه، وهو الشخصية الدينية والقيادية المقيمة في الجزائر منذ نهاية 2021.

