تجتمع العائلات بعد الإفطار أمام شاشة التلفاز لمشاهدة سلسلة الجزء الثاني من “الوگاف”، حيث يبرع فيها الثنائي بيبات ومحمدو سيدي محمد، المعروف بـ”بط مگعور”، في نقد الواقع الاجتماعي بشكل ساخر، فقد ارتبط شهر رمضان بهذين الممثلين في السنوات الأخيرة، لكن يبقى ولد سيدي محمد اسما اقترن بالمسرح والنقد الساخر للواقع السياسي والاجتماعي.
وراء هذا الحضور الرمضاني، تمتد رحلة بحث طويلة عن الذات؛ فقد ظل ذلك الشاب يتنقل بين مدن الداخل وعدد من دول الجوار، باحثا عن ذاته؛ تارة في التكوين بالمعاهد المهنية في المغرب، وأحيانا تاجرا في ازويرات، ثم حالما بالهجرة إلى فرنسا عبر السفر على متن إحدى طائرات مكافحة للجراد، قبل أن تنتهي رحلة البحث في عالم الفن والمسرح في موريتانيا.
ذكريات الطفولة
وُلد محمدو عام 1959 في ديسق، بضواحي ولاية لعصابة، فكانت طفولته لا تختلف كثيرا عن طفولة أقرانه في تلك الحقبة؛ إذ درس في الكتاتيب قبل أن يلتحق بالمدرسة النظامية في كيفه، غير أن والده أخرجه منها لارتباطها بالمستعمر الفرنسي، وكان يطلق عليها “مدرسة الكفار”.
انتقل الطفل مع أسرته إلى مدينة لعيون، وهناك استطاع استئناف دراسته الابتدائية والحصول على شهادة ختم الدروس الابتدائية، لينقطع مجددا عن الدراسة.
يتذكر الشيخ محمدو أسلوب حياتهم في ستينيات القرن الماضي؛ يحكي المشاهد بأسلوب شيق، ويصف بدقة القوافل التجارية وهي تحمل السلع والمواد الغذائية قادمة من مناطق ضفة نهر السنغال.
كان السوق ينتعش في كيفه، التي لم تكن آنذاك مدينة كبيرة؛ خيام وأعرشة متناثرة، وكانوا يحرصون على التسوق من تلك القوافل، التي كانت تضم عشرات الثيران المحمّلة بخيام الوبر والمنتجات الغذائية والزراعية.
تختلط أصوات الباعة بالسكان؛ يقايضون سلعة بسلعة أو يسددون بعملة الفرنك الأفريقي، كان يتجول في السوق ممسكا بيد والدته، ويتذكر اليوم الذي استبدلوا فيه الخيمة التي كانوا يقطنونها بأخرى من الوبر؛ فظلت لعقود محفوظة لديهم قبل أن تأكلها عاديات الزمن.
البحث عن الذات
غادر الشيخ محمدو إلى المغرب قصد الدراسة في معهد للتكوين المهني في الرباط، فتعرّف على عدد من الموريتانيين، من بينهم كابر هاشم، تقاسم معهم الأكل والشرب والمسكن، في وقت كان يعيش فيه ضائقة مالية اضطرته إلى عدم إكمال الدراسة والسفر إلى مدينة لعيون للعمل في محل تجاري، حيث أمضى سنوات كانت المدينة خلالها ترزح تحت وطأة الاستعمار الإسباني.
كان التجوال سمة من سمات شبابه؛ إذ ظل الشاب فاقد البوصلة باحثاً عن ذاته في الترحال بين المدن، فسافر إلى ازويرات واشتغل في التجارة، قبل أن يقرر خوض مغامرة فريدة تمثلت في الهجرة إلى فرنسا عبر السنغال.
وكان مخطط هذه المغامرة يقوم على إقناع صديق يعمل في شركة تتبع لها طائرات تكافح الجراد في العاصمة السنغالية داكار، استجاب الصديق لطلبه، فانتظر أياما وأسابيع، بل وأشهرا، في ترقب سفر لم يتحقق، ليعود إلى نواكشوط، مقررا الاستقرار فيها بحثا عن عمل.
أثير المسرح
دخل على صديقه في الغربة كابر هاشم، الذي كان حينها يشغل منصب مدير مصلحة البرامج في الإذاعة الوطنية، وطلب منه توظيفه، فأبلغه بوجود وظيفة شاغرة لبرنامج تركه معده، فقبلها الشاب بحماس كبير.
طوّر البرنامج ليصبح سلسلة من المسرحيات الإذاعية، وطبق أفكارا كان قد اشتغل عليها مع كابر هاشم أيام الرباط، فقد تنبه محمدو إلى موهبته في تحويل القضايا الاجتماعية التي مر بها أو التي تعكس واقع المجتمع الموريتاني إلى نصوص مسرحية حيّة.
يقول الشيخ محمدو إن تجارب الحياة واحتكاكه بالمجتمع جعلاه يمتلك خيالا جامحا وأفكارا يمكن تحويلها إلى نصوص مسرحية تنقد الواقع بشكل ساخر.
كانت إحدى النصوص الخالدة في ذهنه بعنوان “اشهدوا على أيدي ور ظهري”، تحكي قصة من واقعه الأسري والمعيشي، حين جاءت زوجته تطلب منه السماح لها بالذهاب مع صديقاتها إلى “لاس بالماس” لتغيير الأجواء، ليكون ذلك متنفسا لها بعيدًا عن نواكشوط.
لم يقتنع بتبريرها، وخاض معها نقاشا طويلا كان عقيمًا، ثم أدرك أنه لا بد لها من السفر، فقطع لها تذكرة طيران إلى لاس بالماس. وبعد ذلك تلقى اتصالا من الجمارك في المطار يستفسرون فيه إن كان زوجها، فأجاب بالتأكيد، فطلبوا منه الحضور إلى المكتب في لكصر.

دخل على الضابط الذي أبلغه أنهم ضبطوا بحوزة زوجته أمتعة كثيرة كانت ستدخلها بطريقة غير نظامية دون تسديد الرسوم الجمركية، مؤكدا أنه أمام خيارين: إما دفع الرسوم، أو حجز الأمتعة وإحالتها إلى النيابة العامة.
تفاجأ بحجم المتاع، فلم يجد ما يقوله سوى: “أشهدوا على أن أيدي ور ظهري”، في إشارة إلى أنه لا علاقة له بهذه الحقائب.
فدون جوابه في تقرير رفع إلى القاضي، الذي ظن مساعدوه أن العبارة اسمه، فنادوا به عند استدعائه للاستماع إليه بشأن ما ورد في تقرير الجمارك من اتهامات لزوجته، ليجيبهم بالعبارة نفسها.
حول الحادثة إلى قصة مسرحية بثت على الإذاعة الوطنية، التي كانت آنذاك الوسيلة الوحيدة لترفيه الموريتانيين، إذ لم يكن التلفزيون قد رأى النور بعد، فكان الراديو مصدر الأخبار والتثقيف والتوعية والتسلية.
يقول الفنان أحمدو في مقابلة مع بودكاست “مبتدأ” إنه وُظف في الإذاعة عام 1981 براتب قدره نحو ستة آلاف أوقية، وذلك بفضل صديقه كابر هاشم.
واستعان في المسرحيات التي كان يكتبها بصحفيين من الإذاعة، بينهم محمد المصطفى اعل طالب، وإبراهيم عبد الله، فكانت تجربة ثرية تعرّف من خلالها الموريتانيون على نوع جديد من الفن الساخر الذي ينقد الواقع وبعض الظواهر الاجتماعية.
المنفى الاختياري
جاءت المحاولة الانقلابية التي قادها أحمد سالم ولد سيدي ومحمد ولد عبد القادر المعروف بـ”كادير” يوم 11 مارس 1981، فعزّز الرئيس محمد خونه ولد هيداله القبضة الأمنية، وأعلن الحرب على الحركات القومية المعارضة، وفي مقدمتها البعثيون والناصريون.
وأطلق حملة واسعة لاعتقال من يشتبه في انتمائهم إليهم، من بينهم محمدو سيدي محمد، إثر حضوره عشاء للبعثيين، حيث اتهم النظام الحاضرين بتلقي أموال من سفير العراق في موريتانيا عبد الحسين الرفيعي، وخضع الفنان للتحقيق، نافيا أي صلة تنظيمية، ومؤكدا أنه حضر العشاء دون أن يكون له دور سياسي أو حركي.
ونصحه مدير الأمن بالسفر خارج نواكشوط التي كانت تعيش أجواء غموض بعد المحاولة الانقلابية، فاستجاب وغادر إلى كيفه، عائدا إلى الجذور، وأمضى فيها سنوات حتى انقلاب الرئيس الأسبق معاوية ولد سيد أحمد الطايع على هيداله.
عاد محمدو إلى عمله في الإذاعة في نواكشوط، فاستدعاه وزير الاتصال وشجعه على المضي قدما في عمله، متعهدا له بعدم فرض أي قيود على عمله أو على الرسالة التي تحملها مسرحياته الإذاعية.
ش الوح أف شي
بدأت التلفزة الموريتانية، الممولة من العراق إبان حكم صدام حسين، البث، فكان ذلك عيدا للموريتانيين، إذ أصبح لديهم لأول مرة تلفزيون يتحدث عنهم وبألسنتهم، بعيدا عن التلفزيونات السنغالية والفرنسية.
استهوت محمدو فكرة التلفزيون، فطلب من مديرها، وكان صديقه، اكتتابه فيها، فوقع عقدًا براتب يبلغ 25 ألف أوقية. وبدأ حينها التفكير في إعداد برنامج ترفيهي يكسر الرتابة، غير أن ذلك لم يكن سهلًا في مؤسسة وليدة لا تملك الوسائل الكافية للإنتاج.
خطرت له في البداية فكرة تقديم نشرة ساخرة بالحسانية تتطرق إلى القضايا الاجتماعية والسياسية، لكن التصور الذي وضعه واجه صعوبات فنية حالت دون تنفيذه. وكان أكثر ما يشغل باله هو إيجاد صيغة تمكّنه من تطبيق فكرته، وهو الباحث عن وسيلة تربطه بالمجتمع عبر الشاشة.
وخلال إجرائه تجارب فنية على عدة قوالب، التقى بالمخرج أحمد محمد الأمين، الذي نصحه بإلغاء تلك التجارب والبحث عن صيغة أقل تعقيدا، معربًا عن استعداده للتعاون معه. فجلسا في مقصف التلفزيون يتبادلان الأفكار، لتنبثق فكرة إعداد سلسلة إنتاجية قصيرة تعبر عن الواقع الاجتماعي والسياسي وتنتقده.
كانت الفكرة تتطلب أربعة ممثلين إلى جانب محمدو، ما دفعه إلى طلب موافقة المدير العام على اكتتابهم، فوافق على ذلك، لتبقى مهمة البحث عنهم. ودلّه كابر هاشم على جمعية “غرناطة” الثقافية، فوجد فيها الأشخاص الذين يمكنهم العمل معه على المشروع.
ومن بين المجموعة عبد الباقي محمد أخطيره، وعبد الرحمن لاهي، ومحمد لمجد ولد محمد الأمين، اجتمعوا وناقشوا اسم المسرحية التي ستكون أول إنتاج لهم، فاستقر رأيهم على “ش الوح أف شي”.
جزيرة الواق واق
كانت أول مسرحية ينتجونها قد تطرقت إلى ظاهرة التوسع العشوائي في العاصمة نواكشوط، الذي أفرز أحياء صفيح وانتشار القمامة فيها، وعالجوها من خلال الشخصية الرئيسية “أحمد يولد ما يشتغل”، وهي شخصية لا تعمل، تعيل أسرة مكوّنة من سبعة أطفال تقطن كوخًا في حي “كبت مندز”.
وتدور الأحداث حول مفاوضات تجريها حكومة يرأسها محمدو مع حكومة “الواق واق”، وهي جزيرة أسطورية مليئة بالثروات وتتميز بطبيعة خلابة وأشجار متنوعة. وتتمحور المفاوضات حول استجلاب قطعة أرض منها لصالح حي “كبت مندز” الذي يعاني انتشار القمامة والتوسع العشوائي.
ويقول محمدو إن نص المسرحية يتناول الواقع الاجتماعي في موريتانيا، حيث يوجد آباء يعيلون أسرا قد تصل إلى عشرة أفراد رغم أنهم لا يعملون، كما ينتقد أوضاع الأحياء العشوائية وما يطبعها من فوضى.
وحققت المسرحية نجاحا كبيرا، ومنذ ذلك الحين بدأ الموريتانيون يتعرفون على محمدو باسم “بط مكعور”، وهو اسم الشخصية التي كان يتقمصها في أدواره التمثيلية.
رسائل جريئة
ولم تكن هناك خطوط حمراء مرسومة للمجموعة لا يمكنهم تجاوزها، إذ كانت مسرحياتهم تمرر رسائل ساخرة تنتقد واقع الفساد المستشري، وظروف الجنود في الجيش، وبيروقراطية الإدارة.
من بين أشهر المسرحيات التي أثارت الجدل “فيلق التاسع عشر”، والتي تحكي واقع الجنود في الجيش خلال التسعينيات، حيث كانوا يعيشون ظروفًا مزرية، وقد صوّرت المسرحية ذلك الواقع دون رتوش؛ فالجندي نحيف جراء قلة الغذاء، شاحب الوجه، يقضم نوعا من الحبوب لا يسد جوعه، فيما قائدهم يأكل السمك واللحم.
يقول محمدو إن هذه المسرحية أزعجت قائد الأركان العامة للجيش، الذي اتصل بمدير التلفزة معبرا عن إزعاجه من بث الحلقة، فطلب منه المدير كتابة رسالة وإرسالها عبر الطرق الإدارية إن كان يحتج عليها.
ولم تتوقف السلسلة، بل بدأت تحقق صدى واسعا وجمهورا متزايدا، إذ لم تكن ترسم صورة وردية للواقع كما كانت تفعل النشرات الإخبارية والبرامج التي تبثها التلفزة الحكومية، فشكّلت فسحة نقدية وسط تلك الصورة الدعائية.
ويتذكر بط مكعور عشرات المسرحيات التي انطلقت من الواقع بأسلوب ساخر، ومن بينها مسرحية تناولت واقع البنية التحتية في العاصمة، التي كانت آنذاك تستعد لاستضافة قمة المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (الإيكواس) للمرة الأولى.
وجسّد بط مكعور في تلك المسرحية مسؤولا يستقبل مستثمرا أجنبيًا قادما من المملكة المتحدة للتفاوض بشأن تشييد طرق وبنية تحتية عصرية. وكان استقباله في مطار لا يشبه نظيره في بلده، كما توحي نظراته المندهشة، حيث كانت الأغنام تتزاحم مع المسافرين ويجري نقلها في الطائرة معهم.
ونقل المستثمر إلى الفندق، فوجد غرفته عبارة عن سرير بلا أغطية، يفتقر إلى أبسط مقومات الراحة، ثم تجول في العاصمة سيرا على الأقدام، لتكون دهشته أكبر، إذ انزلق وسط ازدحام باعة “الكسكس”، فأصيب بكسور وجروح في الركبة والرقبة، ونفد صبر المستثمر، فطلب من بط مكعور إعادته إلى المطار، مؤكدا أنه لا يستطيع تحمل هذا الوضع.

ويقول محمدو إنهم أرادوا من خلال هذه المسرحية تمرير عدة رسائل، من بينها تسليط الضوء على واقع البنية التحتية والخدمات في مدينة كانت تستعد لتنظيم قمة “سيدياو”، لكنها لم تكن مؤهلة لذلك نظرا لطابعها البدوي الغالب آنذاك.
أخذ الفساد مساحة كبيرة من مسرحياته في التسعينيات وبداية الألفية، خلال عهد نظام معاوية ولد سيد أحمد الطايع. وقد جسّده في مسرحية “الاجتماع الوزاري الخاص”، التي أنتجت إبان أول انتخابات رئاسية عام 1992، أي بعد إقرار التعددية والانفتاح السياسي.
وتحكي المسرحية عن اجتماع وزاري يترأسه بط مكعور، يشيد فيه بأعضاء الحكومة وبالإنجازات التي حققوها، قائلا إن أسماءهم ستخلّد بماء الذهب على طاولة الاجتماع، قبل أن يبلغهم بانتهاء مأموريتهم. غير أن الوزراء قاطعوه بالاعتراض؛ فمنهم من قال إنه لا يمكن أن يغادر الوزارة في وقت يشيد فيه منزلا لم تنته الأشغال فيه، وآخر عبر عن عدم استعداده للعودة إلى التنقل بالحافلة والتخلي عن السيارة الحكومية.
ويرى محمدو أن رسالة هذه المسرحية تتمثل في تصوير سعي بعض المسؤولين الحكوميين وراء مصالحهم الشخصية، دون الاكتراث بالمصلحة العامة، وهو ما جسدته مسرحية “الاجتماع الوزاري الخاص”.
التغييب عن الشاشة
اتساع جمهور حلقات “ش الوح أف شي” الناقدة للفساد في البلا جعل نظام الطايع ينظر إليها على أنها برنامج معارض يبث على قناة حكومية.
فأُقيل مدير التلفزيون وعين مكانه مستشار في رئاسة الجمهورية، الذي أبعد بط مكعور عن الشاشة، بعد أن عجزت مسرحياته عن الوصول إلى النظام الحاكم في تلك الفترة، فأسكتت الصوت الساخر والناقد للفساد على الشاشة.
وعن كواليس هذا الإبعاد، يقول محمدو إن المدير المقال تمسّك بالبرنامج طالما أنه لا يمس شخصيات معينة ولا الوحدة الوطنية، فلم تُصادر أي حلقة ولم تُمنع من البث.
وأضاف أن المدير أبلغه بعد إقالته أنه لن يظهر على الشاشة مرة أخرى، وهو القرار الذي نفّذه المدير الجديد، الذي منع بث خمس حلقات من السلسلة كانت قد أُنتجت سابقًا.

وتوجه محمدو إلى المدير الجديد طالبا منه توضيح أسباب توقيف البرنامج، مؤكدا أن الجمهور له الحق في الاطلاع على حيثيات تعليق البث، خصوصا وأن البرنامج كان ناجحا والجميع يتساءل عن عدم عرضه.
أبلغه المدير أن التعليمات واضحة، وأن كل ما يبث على الشاشة يجب أن يكون بإشراف الرئيس معاوية ولد سيد أحمد الطايع ومدير ديوانه، ما إن سمع محمدو تبرير المدير، خفت حماسه الداخلي تجاه الفن الذي كان يعتبره مرآة للواقع الاجتماعي والسياسي في البلد.
استدعاء رئاسي
توارى بط مكعور عن الأنظار لسنوات، إلا أنه عاد بعد سقوط نظام الطايع بالانقلاب، لتبدأ مرحلة جديدة من الانفتاح الإعلامي عام 2005، وظهر مجددًا لجمهوره بسلسلة جديدة ساخرة، أكثر حدة ونقدا للواقع.
استدعاه مدير التلفزة إبان المرحلة الانتقالية وطلب منه استئناف عمله، فكانت هذه المرحلة تتطلب العودة للشاشة وممارسة النقد الساخر للعمل الحكومي والسياسي بعد رفع القيود عن الحريات.
التقى محمدو بالرئيس الأسبق أعل ولد محمد فال، الذي طلب منه العودة إلى الشاشة والتناول الحر لكل القضايا والمواضيع دون خطوط حمراء، فقال له محمدو: “إذا، سنبدأ بك بما أنك الرئيس”.
وكانت أولى المسرحيات عن انقلاب ولد محمد فال وتوليه الحكم، وقد وجهت مسرحيته عدة رسائل، من بينها النقد الموجّه لثقافة “التطبيل” لدى السياسيين والصحفيين، واهتمام النخبة بمصالحها الشخصية.
مرارة 45 سنة
يسرد محمدو 45 سنة من العمل في مجال المسرح، قاد خلالها على تأطير أجيال جديدة من الممثلين والمسرحيين قدمهم للجمهور، إلا أنه يشعر بالغبن لأن الحكومات المتعاقبة لم تكرمه أو تشكره على ما قدمه للبلد.
يجلس في مكتبه بالمركز الثقافي بالعاصمة نواكشوط، حيث يكشف واقع هذا المبنى الحقيقة “المرة” التي يتحدث عنها محمدو، ويحرص على تأطير الشباب على هذا الفن.
ويقول محمدو: “بدلًا من مكافأتي على هذا العمل الجبار وتأطير وتوعية الرأي العام الموريتاني وتكوين الشباب على هذا الفن، فقد أُلغي الراتب الذي كنت أتقاضاه من التلفزة”.
بدت الحسرة واضحة في كلماته، وهو يتحدث عن عدم تقديره رغم ما قدّمه للساحة الثقافية من جهود وإسهامات، إذ طغى على صوته شعور بالخذلان ممزوج بمرارة صامتة.


