أعاد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون فتح جرح تاريخي ثقيل حين أقرّ صراحة بأن أول جيش ساعد بلاده في حرب “الرمال” 1963 ضد المغرب، كان هو الجيش المصري، مؤكدا أن العلاقات بين الجزائر ومصر “أكثر من أخوية” وأن بينهما “تاريخا كبيرا”، في استدعاء مباشر لدعم القاهرة للجزائر ضد المغرب في حرب مازالت آثارتها إلى اليوم مؤثرة على منطقة شمال إفريقيا.
غير أن هذا الاعتراف يصطدم بتسجيلات صوتية لجمال عبد الناصر تم تسريبها قبل أشهر يتحدث فيها الأخير بنبرة مريرة عن خذلان جزائري لاحق بعد هزيمة حرب “الستة أيام” سنة 1967، لتعود بذلك مفارقة قاسية إلى الواجهة، حيث دعمت مصر الجزائر في أول اختبار عسكري، قبل أن تتخلى الجزائر عمن القاهرة في أهم حروبها ضد إسرائيل سنة 1967.
وأقر الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، أمس السبت بشكل صريح بالدعم المصري للجزائر ضد المغرب، قائلا: “بأن أول جيش ساعدنا في 1963 هو الجيش المصري”، مؤكدا رواية كاملة تقوم على لحظة تدخل عسكري مصري إلى جانب الجزائر ضد المغرب في أول حرب تخوضها “جزائر بن بلة” بعد الاستقلال وهي الحرب الوحيدة التي خاضها الجيش الجزائري في تاريخه، ومع ذلك خرج منها خاسرا، فيما حاول، الرئيس الحالي، عبد المجيد تبون، تقديم هذا الحدث التاريخي كعنوان دائم لعلاقة ممتدة ومتماسكة عبر الزمن بين البلدين.
الرئيس الجزائري: مصر ساعدتنا في حرب 1963 (حرب الرمال ضد المغرب) وأرسلت لنا طائرات ودبابات pic.twitter.com/DvEJhF5epV
— Assahifa – الصحيفة (@assahifa_ar) February 8, 2026
غير أن استدعاء الذاكرة التاريخية، كما رغب فيه الرئيس الجزائري، الحالي، عبد المجيد تبون في خروجه الإعلامي، أمس، السبت، بدا أقرب إلى قراءة انتقائية للتاريخ منها إلى استعادة شاملة لوقائع اعتبرها الجانب المصري “مؤلمة”.
وهكذا، اختار تبون أن يرفع الدعم المصري لبلاده في حرب “الرمال” سنة 1963 إلى مستوى “التاريخ الكبير” وأن يقدّمها كدليل على عمق التحالف بين البلدين، لكنه تجاهل في المقابل أن الأرشيف السياسي العربي نفسه يحمل رواية أخرى عن السنوات التي تلت ذلك مباشرة.
ففي التسجيلات الصوتية المنسوبة لجمال عبد الناصر، والمؤرخة بسنة 1970، يكشف جمال عبد الناصر عن “خذلان الجزائر” له ولمصر خلال حرب “الستة أيام” سنة 1967، بعدما عبّر في التسريبات التي نشرتها قناة “العربية” السعودية عن توترات وخلافات داخل الصف العربي، وعن شعور مصري بأن بعض العواصم وفي مقدمتها الجزائر خصيصا التي كانت ترفع شعارات الدعم لم تتحول دائما إلى سند فعلي حين دخلت مصر لحظة المواجهة الثقيلة، وأنها كانت عنوانا للخذلان.
هنا تحديدا تتكشف حدة التناقض فالرئيس الجزائري يستحضر لحظة نجدة مصر لبلاده ضد المغرب ويقدمها كعنوان للوفاء والتحالف في وقت يكشف فيه الأرشيف الصوتي المنسوب لعبد الناصر عن مرارة مصرية لاحقة من مواقف الجزائر، في سياق الصدام مع إسرائيل بعد سنوات قليلة فقط من تلك الحرب.
تسجيل مسرّب للرئيس المصري الأسبق #جمال_عبد_الناصر : #الجزائر رفضت إرسال طيار واحد ضد #إسرائيل pic.twitter.com/532FAGVw4y
— Assahifa – الصحيفة (@assahifa_ar) September 29, 2025
وبين ذاكرة تُستدعى لتأكيد عمق العلاقة، وتسجيلات تتحدث عن مرحلة مختلفة تماما من التوتر والتباعد، تبدو الصورة أقل انسجاما بكثير مما حاول خطاب تبون تقديمه.
الدعم المصري للجزائر في “حرب الرمال“
من منطلق هذه التصريحات التي أعاد فيها تبون التذكير صراحة بأن أول جيش ساعد بلاده في حرب “الرمال” سنة 1963 ضد المغرب هو الجيش المصري، وبالتوازي مع ما تكشفه التسجيلات الصوتية المنسوبة لجمال عبد الناصر عن مرحلة لاحقة من التوتر داخل الصف العربي بعد 1967، عادت “الصحيفة” إلى نبش أرشيف تلك المرحلة وإعادة تركيب خيوطها من جديد ليس فقط لاستعادة ما جرى في حرب الرمال كواقعة عسكرية، بل لفهم مَن خَانَ مَن؟
في شتنبر 1963، وبعد أقل من عام واحد فقط على استقلال الجزائر، انفجر أول صدام عسكري مباشر لها مع المغرب في ما عُرف لاحقا بـ”حرب الرمال”، وهو نزاع حدودي ظل عالقا من الاستعمار الفرنسي للجزائر والمغرب تمركز أساسا حول مناطق حاسي بيضا وتنجوب، بشار، وتندوف.
وكان الصراع حينها لحظة مفصلية كشفت عن هشاشة الوضع العسكري الجزائري في بدايات الاستقلال، ودفعته إلى البحث سريعا عن دعم خارجي لتثبيت موقعه في أول اختبار ميداني حقيقي، وهنا تحديدا برز الدور المصري، فقد كانت القاهرة، بقيادة جمال عبد الناصر، تنظر إلى الجزائر باعتبارها امتدادا طبيعيا للمشروع القومي العربي الذي تبنّته منذ الخمسينيات، خاصة بعد أن احتضنت مصر قيادات جبهة التحرير الوطني خلال حرب الاستقلال ضد فرنسا وقدّمت دعما سياسيا وإعلاميا وعسكريا للثورة الجزائرية.
وعندما اندلعت المواجهات مع المغرب في خريف 1963، تحركت القاهرة سريعا لإسناد الجزائر، في خطوة تعكس موقع مصر آنذاك كقوة إقليمية تسعى إلى تثبيت نفوذها في الدول التي خرجت حديثا من الاستعمار.
المعطيات التاريخية تشير إلى أن مصر لم تكتفِ بالموقف السياسي، بل أرسلت دعما عسكريا مباشرا إلى الجزائر خلال الحرب، وهو ما أعاد الرئيس عبد المجيد تبون التأكيد عليه بوضوح حين قال إن “أول جيش ساعدنا في 1963 هو الجيش المصري” وتفيد مصادر تاريخية عامة أن هذا الدعم شمل إرسال عناصر عسكرية ومعدات في إطار مساندة الجيش الجزائري الذي كان ما يزال في طور البناء والتنظيم كما تُشير بعض المراجع إلى أن الصراع شهد حضورا لعناصر أجنبية أخرى دعما للجزائر من بينها عناصر كوبية، في وقت كانت فيه الحرب الباردة تلقي بظلالها على المنطقة وتحوّل النزاعات الإقليمية إلى ساحة تعبير عن اصطفافات أوسع.
الرئيس المصري الأسبق جمال عبدالناصر في تسجيل مسرب مع الرئيس الموريتاني الأسبق المختار ولد داداه: “طلبنا طيارين من الجزائر لمحاربة إسرائيل ورفضوا يدونا طيار واحد.. لكن لما طلبنا من الاتحاد السوفيتي بعتولنا.. والجزائريين بيقولوا عايزين نحرر فلسطين.. ييجي الجيش الجزائري يقاتل”… pic.twitter.com/t4xlCGOTBZ
— العربية مصر (@AlArabiya_EGY) September 28, 2025
من الناحية السياسية، كان تدخل القاهرة يحمل أكثر من دلالة، فبالنسبة لعبد الناصر، لم تكن الجزائر مجرد دولة شقيقة تواجه نزاعا حدوديا، بل كانت نموذجا لثورة تحررية “انتصرت” حديثا على المستعمر ومن الطبيعي أن تحظى بالدعم في مواجهة ما كان يُنظر إليه آنذاك كتهديد لاستقرارها، وهو المغرب بنظامه الملكي.
كما أن مصر كانت تسعى إلى ترسيخ موقعها كمرجعية سياسية في العالم العربي وإلى تأكيد حضورها في شمال إفريقيا عبر دعم نظام خرج من رحم حرب التحرير ويبحث عن حلفاء أقوياء.
وقد انتهت المواجهات سريعا نسبيا، إذ دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر 1963، قبل أن تتدخل وساطات إقليمية في إطار منظمة الوحدة الإفريقية لوضع حد للنزاع في بداية سنة 1964 ضمن اتفاق “باماكو”. ولم تفضِ الحرب إلى تغييرات حدودية حاسمة، لكنها تركت أثرا سياسيا عميقا، لأنها رسخت منذ البداية شبكة تحالفات إقليمية ستطبع علاقات المنطقة لسنوات طويلة.
لكن قراءة هذه المرحلة لا تكتمل دون وضعها في سياقها الأوسع، فالدعم المصري للجزائر في حرب الرمال لم يكن معزولا عن المشروع السياسي الذي كانت القاهرة تقوده في ذلك الزمن، مشروع يقوم على مساندة حركات التحرر وتثبيت شبكة من الحلفاء في العالم العربي، وإفريقيا، وضد الأنظمة الملكية، ومنها النظام الملكي المغربي.
لهذا، حين يعود تبون، اليوم، ليؤكد أن الجيش المصري كان أول من ساند الجزائر في تلك الحرب، فإنه يستدعي لحظة تاريخية ثابتة في الرواية الجزائرية، شكلت، في نظر النظام، بداية علاقة تحالف قوية مع “مصر جمال عبد الناصر”، غير أن هذه اللحظة نفسها، حين تُقرأ في ضوء ما تكشفه التسجيلات الصوتية المنسوبة لعبد الناصر عن توترات السنوات اللاحقة بعد 1967، تفتح الباب أمام قراءة أكثر تعقيدا لمسار تلك العلاقة.
قراءة تُظهر أن مرحلة الدعم العسكري في 1963 كانت نقطة انطلاق لعلاقة إقليمية ثقيلة سرعان ما دخلت لاحقا في منعرجات سياسية حادة مع نظام جزائري متناقض، لم يكن متماسكا بالقدر الذي تُقدَّم به تلك المرحلة في الخطاب الرسمي.
عندما اتهم عبد الناصر الجزائر بـ”الخذلان”
صورة الدعم العسكري المصري للجزائر في حرب الرمال ضد المغرب، التي أعاد تبون تثبيتها اليوم بوصفها لحظة تأسيسية في “التاريخ الكبير” بين البلدين لا تقف عند حدود تلك السنة وحدها، ولا يمكن قراءتها بمعزل عمّا تلاها من تحولات داخل الصف العربي نفسه، فبعد سنوات قليلة فقط من تلك اللحظة التي وقفت فيها القاهرة إلى جانب الجزائر في أول اختبار عسكري لها بعد الاستقلال، خرجت إلى العلن قبل أشهر، تسجيلات صوتية منسوبة لجمال عبد الناصر تعود إلى سنة 1970، وأعادت رسم صورة مختلفة تماما عن مسار تلك العلاقة في مرحلة لاحقة.
ففي التسجيل الصوتي المنسوب إلى جمال عبد الناصر في حديثه مع الرئيس الموريتاني مختار ولد داداه والذي يعود إلى 6 شتنبر 1970 ونشرته قناة العربية السعودية، تظهر رواية قاسية جدا عن مسار العلاقة مع الجزائر بعد سنوات قليلة فقط من دعم القاهرة لها في الثورة ثم في حرب الرمال، إذ يكشف خفايا خيانة الجزائر لجمال عبد الناصر.
فالحديث جاء في سياق توتر عربي حاد بعد هزيمة 1967، حيث عبّر عبد الناصر عن مرارة شديدة من مواقف بعض الدول العربية وعلى رأسها الجزائر، معتبرا أن الضغط السياسي الذي تعرضت له مصر من الداخل العربي كان مؤلما إلى حد أنه “أنهك بلاده أكثر مما فعلته الصواريخ والطائرات الإسرائيلي”.
في ذلك التسجيل، يوجه عبد الناصر كلاما مباشرا عن الحملات السياسية والإعلامية التي كانت تُشن ضد مصر بعد قبولها وقف إطلاق النار وخطة روجرز، قائلا: “نحن نواجه موقفا عربيا يسبب لنا ألما نفسيا أشد مما يسببه الإسرائيليون” ثم يضيف بلهجة حادة: “إنهم يهاجموننا بلا سبب.. يقولون إن الحرب ضرورية ويعارضون وقف إطلاق النار ولا يفهمون لماذا قبلناه” ويشير في السياق نفسه إلى أن الجزائر سحبت قواتها من الجبهة بعد القبول بالهدنة، موضحا أن نحو ألفي جندي كانوا متمركزين منذ 1967 قبل أن يتم سحبهم سنة 1970، وهو ما فُهم في القاهرة كترجمة مباشرة للخلاف السياسي بين البلدين
ويمضي عبد الناصر أبعد من ذلك حين يتطرق إلى مسألة المشاركة العسكرية الجزائرية في حرب 1967، إذ يشكك في الرواية الرسمية التي تتحدث عن دعم واسع قائلا: إن الجنود الجزائريين “كانوا مترددين في كل شيء”، ويستعيد واقعة قال فيها أنور السادات، خلال لقاء مع طلبة، إنه “في الحقيقة، لم تكن هناك أي مساعدة” مضيفا أن ما أغضب الجزائريين “هو الحقيقة نفسها”.
كما يؤكد في التسجيل أن مصر خاضت المواجهة وحدها تقريبا، مستشهدا بارتفاع ميزانية الجيش من 160 مليون جنيه سنة 1967 إلى 553 مليونا سنة 1970، قائلا: “إن هذا كله تم على حساب التنمية وكل شيء آخر” ثم يوجه عبارة شديدة القسوة قائلا: “الجزائريون لم يساعدونا ولو بألف جزء من الجنيه.. اعتمدنا على أنفسنا”.
ويستحضر عبد الناصر في مقابل ذلك، سجل الدعم المصري الطويل للجزائر منذ احتضان القاهرة لقيادات الثورة وتسليحها، مرورا بمساندتها بعد الاستقلال وصولا إلى حرب الرمال سنة 1963، حيث قال إن الجزائر حين دخلت في صراع مع المغرب “لم تكن لديها حتى جيش”، وإن مصر أرسلت الطائرات والدبابات والمظليين ولبّت كل ما طُلب منها خلال أيام قليلة ويذكّر أيضا بأن القاهرة زوّدت الثورة الجزائرية بالسلاح منذ الخمسينيات وأن بومدين نفسه حمل أسلحة من مصر سنة 1955 دعما للكفاح ضد الاستعمار.
وتتعمق نبرة الغضب في التسجيل حين يتحدث عن المزايدات السياسية التي كانت بحسب قوله تصدر من الجزائر بعد 1967، قائلا: “إن هناك فرقا بين من يقاتل فعليا ومن يرفع الشعارات من بعيد”، نحن في الصفوف الأمامية ونقاتل.. يدي على النار وأيديهم بعيدة عنها”.
ويشير كذلك إلى أن الجزائر كانت في نظره آنذاك، تؤجج الخلافات داخل الصف العربي، وتتحرك سياسيا ضد مصر، بل ويتساءل بوضوح: “لا أفهم لماذا يقبل إخواننا في الجزائر بهذا السلوك”.
وفي جزء آخر من الحديث، يروي عبد الناصر أن القيادة الجزائرية كانت تنتقد القاهرة بشدة خصوصا عبر إعلامها بسبب قبولها خطة روجرز ووقف إطلاق النار، وأن خطابا ألقاه بومدين في غشت 1970 اعتبره هجوما مباشرا على مصر، لدرجة أنه قال إنه “لم نتحمل ذلك.. استمعت للخطاب وأهنتُه” كما يشير إلى أن الجزائر كانت وفق ما فهمه، تتواصل مع أطراف عربية أخرى في سياق توترات إقليمية، وأن هذا السلوك كان يزيد من حدة الانقسام في لحظة كانت مصر تخوض فيها مواجهة عسكرية مباشرة.
وتحدث عبد الناصر حديثه بنبرة تجمع بين الاستياء والدهشة، متسائلا عن أسباب هذا التحول في المواقف، بعدما كانت القاهرة قد دعمت الجزائر في أصعب مراحلها، ومذكّرا بأن مصر “أعطتهم كل شيء” منذ سنوات الثورة وحتى حرب الرمال ضد المغرب، وهي الصورة التي يرسمها التسجيل كما ورد في التفريغ، شديدة القسوة بين علاقة بدأت بدعم مصري واسع للجزائر في الخمسينيات والستينيات، ثم تحولت بعد سنوات قليلة فقط، إلى توتر سياسي عميق وانتقادات متبادلة داخل الصف العربي في أعقاب هزيمة.
حين تحدّى عبد الناصر الجزائر: “تعالوا قاتلوا بدل المزايدة باسم فلسطين”
في الجزء الأكثر حدّة من التسجيل، انتقل جمال عبد الناصر من الدفاع عن قرارات مصر إلى مواجهة مباشرة مع الخطاب الذي كان يُرفع باسم فلسطين من بعض العواصم العربية في مقدمتها وعلى وجه الخصوص الجزائر آنذاك فبعد أن تحدّث عن الحملات الإعلامية التي اتهمت القاهرة بالتراجع واعتبرت قبولها وقف إطلاق النار “خيانة”، ردّ عبد الناصر بنبرة جارحة مؤكدا أن من يرفع سقف الشعارات من بعيد لا يدرك ثمن الحرب الفعلي موضحا أن مصر كانت تقاتل وتخسر وتعيد بناء جيشها تحت ضغط يومي بينما كانت تُطالب في الوقت نفسه بتحرير فلسطين كاملة وبالاستمرار في الحرب دون توقف.
وفي هذا السياق تحديدا تأتي عبارته الأكثر دلالة، حين يرد على تلك الدعوات قائلا: “إنه إذا كانت بعض الدول وعلى رأسها الجزائر ترى أن الحل هو الحرب الشاملة فلتأتِ وتخضها بنفسها”، وهو تحد مباشر للخطاب الجزائري الذي كان في نظره يزايد باسم فلسطين دون أن يتحول إلى فعل ميداني، ويضيف بنبرة واضحة أن مصر هي التي تقف “في الصفوف الأمامية” وتدفع الكلفة بينما من ينتقدونها “بعيدون عن ميدان المعركة” في تلخيص مكثف للفارق بين من يعيش الحرب ومن يعلّق عليها.
عبدالناصر: الجزائر نسقت مع العراق ضدنا والخيانة أصبحت هدفا لهذا النظام
في ختام التسجيل المثير، انتقل صوت جمال عبد الناصر من الغضب إلى ما يشبه الذهول السياسي فبعد أن استعرض بنبرة حادة، ما اعتبره ضغطا ومزايدات وهجمات إعلامية توقف عند السؤال الذي يلخّص كل ما كان يعتمل داخله آنذاك كيف يمكن أن تتخذ الجزائر هذا المسار في لحظة كان فيها الصف العربي في نظره، بأمسّ الحاجة إلى التماسك؟ في هذا الجزء تحديدا قال بوضوح إنه لا يفهم “لماذا يقبل إخواننا في الجزائر بهذا السلوك؟” في عبارة تبدو كأنها صادرة عن رجل يشعر بأن العلاقة التي بُنيت على سنوات من الدعم والتقاطع السياسي بدأت تنزلق إلى اتجاه مختلف تماما.
ويمضي عبد الناصر أبعد من مجرد التعبير عن الحيرة، إذ يشير كما جاء في التسجيلات إلى أن الجزائر لم تكتفِ بانتقاد القاهرة بل كانت، في نظره آنذاك جزءا من شبكة توتر أوسع داخل العالم العربي، خصوصا في خضم الخلافات الحادة التي كانت قائمة بين مصر والعراق ويتساءل بلهجة مباشرة “هل أصبحوا اليوم متفقين مع العراق ضدنا؟ نحن نعلم بوجود اتصالات بين الجزائر والعراق بين بومدين وبوتفليقة من جهة والعراقيين من جهة أخرى”، في إشارة صريحة إلى أن الأمر في تقديره، لم يعد مجرد اختلاف في المواقف، بل تحركات سياسية متقاطعة تزيد من تعقيد المشهد.
في تلك الفترة، كان عبد العزيز بوتفليقة يشغل منصب وزير الخارجية الجزائري، ما أعطى لهذه الإشارات في سياق حديث عبد الناصر طابعا رسميا واضحا وكأن الزعيم المصري كان يتحدث عن خيارات سياسية تصدر من أعلى مستويات القرار في الجزائر.
وفي خضم ذلك التوتر، كان عبد الناصر يرى كما يظهر من التسجيل أن الجزائر لم تكن تقف في موقع الوسيط أو الداعم، بل في موقع يزيد من حدة الانقسام داخل المعسكر نفسه، وهو ما جعله يتحدث عن مرحلة لم يعد فيها التضامن العربي في نظره، بالوضوح الذي كان عليه في بداية الستينيات.
ويبلغ هذا الشعور ذروته في المقطع الأخير، حين عبّر عن دهشته من تناقضات الموقف الجزائري كما كان يراها آنذاك، قائلا: “إن علاقات الجزائر مع دول الجوار مثل المغرب وتونس، تبدو طبيعية ومفتوحة. وإن هناك اتصالات دائمة وإشادات متبادلة”، قبل أن يختم بعبارة تختزل إحساسه العام: “في الحقيقة، موقف الجزائر غريب فعلا”.
وينتهي التسجيل على نبرة تجمع بين الاستغراب والمرارة فعبد الناصر، الذي استحضر طوال حديثه سنوات الدعم المصري للجزائر منذ الثورة إلى حرب الرمال أنهي كلامه وكأنه يعلن أن العلاقة التي بدأت بتحالف وثيق تحولت في نظره، إلى مسار معقّد ومليء بالتناقضات، ولم يكن يتحدث فقط عن خلاف سياسي عابر، بل عن تحوّل كامل في التموضع وعن شعور بأن ما كان يُقدَّم في بداية الطريق على أنه تضامن استراتيجي لم يعد يحمل المعنى نفسه بعد سنوات قليلة فقط.
