أعلنت الجزائر، أمس الخميس، إعادة سفيرها إلى نيامي، في تحرك يعكس تحولا لافتًا في مقاربتها تجاه منطقة الساحل، بعد عام اتسم بتوترات حادة وقطيعة مع دول التحالف الثلاثي، غير أن القرار الذي قُدّم رسميًا في إطار تعزيز العلاقات الدبلوماسية الثنائية، يحمل في طياته مؤشرات على مراجعة سياسية أوسع تسعى من خلالها الجزائر إلى احتواء تداعيات أزمتها مع تحالف دول الساحل، وإعادة التموضع داخل معادلة إقليمية تغيرت موازينها خلال الأشهر الماضية.
البيان الرسمي الذي تحدث عن “تعزيز العلاقات الثنائية” مع النيجر، يأتي عقب أزمة دبلوماسية غير مسبوقة اندلعت السنة الماضية إثر إسقاط الجزائر طائرة مسيّرة تابعة للجيش المالي قالت إنها انتهكت مجالها الجوي، بينما أصرت باماكو أنها كانت تحوم داخل حدودها، وهي الحادثة التي فجّرت موجة ردود فعل متسلسلة انتهت بسحب مالي والنيجر وبوركينا فاسو سفراءها من الجزائر، قبل أن ترد الأخيرة بالمثل، ما رسّخ قطيعة سياسية عميقة مع ما بات يُعرف بتحالف دول الساحل.
وتوحي تطورات الأشهر الأخيرة، بأن الجزائر أعادت حساباتها، فبدل الاستمرار في منطق المواجهة الجماعية، اختارت مقاربة انتقائية تركز على الحلقة التي تبدو أكثر هشاشة داخل التحالف، أي النيجر، وفي هذا الإطار، أشارت مجلة “جون أفريك”، في تقرير قبل أيام، إلى أن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بعث بإشارات انفتاح واضحة تجاه نيامي، موجها دعوة رسمية إلى الجنرال عبد الرحمن تياني لزيارة الجزائر، في خطوة حملت دلالات سياسية تتجاوز المجاملات البروتوكولية.
ولعل التحول الأبرز في المقاربة الجزائرية، وفق التقرير، يتمثل في اللجوء المكثف إلى ما يمكن وصفه بـ”دبلوماسية المحفظة”، فمع إدراكها لحجم الضائقة الاقتصادية التي تواجهها النيجر، سارعت الجزائر إلى تفعيل أوراقها الطاقوية، حيث إن زيارة وزير الطاقة والمناجم، محمد عرقاب، إلى نيامي لتأكيد استئناف نشاط شركة سوناطراك في حقل كافرا النفطي، لم تكن مجرد خطوة اقتصادية، بل رسالة سياسية بامتياز.
فالحقل الذي تُقدّر احتياطاته بنحو 260 مليون برميل يمثل رافعة حيوية لاقتصاد النيجر، خاصة في ظل توقعات بأن يشكل النفط نصف العائدات الضريبية للبلاد في 2026، إلى جانب ذلك، يظل مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء (TSGP) ورقة في يد الجزائر.
المفارقة أن هذا التحرك الجزائري، جاء بعد التقارب المغربي الكبير مع دول تحالف الساحل، ففي أبريل 2025، استقبل الملك محمد السادس وزراء خارجية النيجر ومالي وبوركينا فاسو في الرباط، وطرح مبادرة تمكين دول الساحل من الوصول إلى المحيط الأطلسي عبر ميناء الداخلة، وهي المبادرة التي أعادت ترتيب الأوراق الإقليمية، وأظهرت أن العواصم الثلاث مستعدة لتنويع شراكاتها بعيدا عن الاصطفافات التقليدية.
اللافت أن التناقض الأبرز في هذا المسار يتمثل في أن عودة السفير الجزائري إلى نيامي تبدو أقرب إلى محاولة لاستعادة نفوذ مفقود منها إلى مبادرة استراتيجية متكاملة، فالجزائر، التي كانت تعترض سابقا على الانقلاب في النيجر وتدعو صراحة إلى العودة للمسار الدستوري، تجد نفسها اليوم مضطرة إلى التعامل البراغماتي مع السلطة العسكرية ذاتها التي تحفظت عليها، وهو تحوُّل يعكس بوضوح تغليب منطق المصالح وحسابات النفوذ على الخطاب المبدئي الذي تبنته في مرحلة سابقة.
كما أن الرهان على استمالة النيجر لا يخلو من مخاطر، فمالي ما تزال تنظر بعين الشك إلى أي تقارب جزائري – نيجري، خاصة في ظل استمرار استقبال الجزائر لشخصيات مالية معارضة، وبوركينا فاسو بدورها تبدو أقرب إلى الموقف المالي، ما يضع الجنرال تياني أمام معادلة صعبة، هل يغامر بإضعاف “الصوت الدبلوماسي الموحد”للتحالف مقابل مكاسب اقتصادية، أم يحافظ على تماسك التكتل في مواجهة ما قد يُنظر إليه كمحاولة اختراق جزائرية؟.
