مع عودة التساقطات المطرية إلى عدد من مناطق المغرب خلال الأسابيع الأخيرة، بدأت المؤشرات المائية الوطنية تسجل تحسنا ملحوظا عقب سنوات متتالية من الضغط الشديد على الموارد المائية، إذ أظهرت المعطيات الأخيرة المتعلقة بوضعية السدود بالمملكة ارتفاعا واضحا في حجم الواردات المائية ونسب الملء في عدد من المنشآت المائية الاستراتيجية، وهو ما يعكس دينامية هيدرولوجية إيجابية بدأت ملامحها تتشكل تدريجيا في مختلف الأحواض المائية.
وخلال الأربع والعشرين ساعة الماضية فقط، سجلت عدة سدود مغربية واردات مائية مهمة ساهمت في تعزيز الاحتياطات الوطنية ورفع معدلات التخزين، في سياق لا يزال يتسم بتداعيات سنوات متتالية من الإجهاد المائي الذي عرفته المملكة نتيجة توالي فترات الجفاف وضعف التساقطات خلال مواسم سابقة.
وتشير المعطيات الرسمية المتوفرة إلى أن هذه التطورات جاءت مدفوعة بموجة اضطرابات جوية تهم شمال ووسط البلاد، حيث أفادت المديرية العامة للأرصاد الجوية بأن منخفضا جويا في الطبقات العليا من الغلاف الجوي يواصل التأثير على هذه المناطق متسببا في تساقطات مطرية متفاوتة الشدة، إضافة إلى تساقطات ثلجية على المرتفعات وهذه الوضعية الجوية غير المستقرة يُرتقب أن تستمر إلى غاية الأيام المقبلة، قبل أن تعرف الأحوال الجوية تحسنا تدريجيا مع بداية الأسبوع القادم.
ومن بين السدود التي سجلت أعلى الواردات المائية خلال هذه الفترة، يبرز سد بين الويدان الواقع بإقليم أزيلال، والذي تصدر قائمة السدود من حيث حجم المياه المتدفقة إليه، بعدما استقبل ما يقارب 5.1 ملايين متر مكعب من المياه الإضافية خلال فترة وجيزة، وهو ما رفع نسبة ملئه إلى حوالي 75.4 في المائة ويُعد هذا المستوى من التخزين مريحا نسبيا في ظل اقتراب مراحل حاسمة من الموسم الفلاحي، خاصة أن هذا السد يلعب دورا محوريا في دعم النشاط الزراعي وتزويد عدد من المناطق بالمياه.
وفي شمال المملكة، سجل سد الشريف الإدريسي الواقع بإقليم تطوان بدوره واردات مائية مهمة بلغت حوالي 3.3 ملايين متر مكعب ما مكن من رفع نسبة ملئه إلى 95 في المائة، وهو مستوى مرتفع يعزز احتياطات المياه الموجهة أساسا لتزويد السكان بالماء الصالح للشرب، كما يساهم في تخفيف الضغط على الموارد المائية المحلية التي عانت بدورها خلال السنوات الأخيرة من تأثيرات الجفاف.
أما في إقليم بني ملال، فقد استقبل سد أحمد الحنصالي بدوره كميات مهمة من المياه وصلت إلى حوالي 3 ملايين متر مكعب، لترتفع نسبة ملئه إلى 70.4 في المائة، في حين سجل سد 9 أبريل 1947 الواقع بعمالة طنجة أصيلة واردات مائية تناهز 2.2 مليون متر مكعب، ما رفع نسبة ملئه إلى 72.9 في المائة.
وتعكس هذه الأرقام، وفق المعطيات المتوفرة، بداية تحسن ملموس في وضعية الموارد المائية الوطنية، خاصة وأن التساقطات المطرية الأخيرة لا تزال تواصل تغذية عدد من الأحواض الهيدروليكية الرئيسية بالمملكة، وهو ما ساهم في رفع الحجم الإجمالي للمياه المخزنة بالسدود المغربية.
في هذا السياق، تشير المعطيات الرسمية إلى أن حجم الموارد المائية المتوفرة حاليا في السدود المغربية بلغ حوالي 12.2 مليار متر مكعب، وهو ما يمثل زيادة تقدر بنحو 161 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، كما ارتفع المعدل الإجمالي لنسبة ملء السدود على المستوى الوطني ليصل إلى 70.5 في المائة بتاريخ الأربعاء 4 مارس 2026.
غير أن هذا التحسن الملحوظ، رغم أهميته، لا يعني بالضرورة انتهاء أزمة الإجهاد المائي التي عانت منها البلاد خلال السنوات الأخيرة، بحسب ما يؤكد عدد من الخبراء في مجال البيئة والمناخ.
وفي هذا الإطار، أوضح الخبير في البيئة والمناخ يوسف القمري أن الزيادة السريعة في الواردات المائية تعكس بالفعل ما وصفه بـ”دينامية هيدرولوجية مهمة”، لكنها لا تشكل مؤشرا على انتهاء أزمة ندرة المياه بشكل نهائي، نظرا للآثار العميقة التي خلفتها سنوات الجفاف المتتالية على التربة والأحواض المائية.
وأشار القمري إلى أن التحسن الحالي في نسب ملء السدود يمنح السلطات هامشا إضافيا في تدبير الموارد المائية خلال الأشهر المقبلة، خصوصا في ما يتعلق بضمان استمرارية تزويد السكان بالماء الصالح للشرب، إضافة إلى دعم الموسم الفلاحي الذي يبقى من أكثر القطاعات حساسية لتقلبات الموارد المائية.
لكن الخبير شدد في الوقت نفسه على أن استعادة التوازن الطبيعي للأنظمة المائية تتطلب عدة مواسم مطرية منتظمة نظرا لأن التربة والأحواض المائية تأثرت بشكل عميق بفعل توالي سنوات الجفاف، وهو ما يجعل التعافي الكامل عملية تدريجية قد تمتد على مدى سنوات.
كما أكد أن مواجهة التحديات المرتبطة بندرة المياه لا يمكن أن تعتمد فقط على تحسن التساقطات المطرية بل تستدعي مواصلة الاستثمار في مجموعة من الحلول الهيكلية، من بينها تحسين النجاعة المائية، وتوسيع مشاريع تحلية مياه البحر، إضافة إلى تطوير برامج إعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، باعتبارها أدوات استراتيجية مكملة لتدبير الموارد المائية.
وفي ظل هذه المؤشرات الإيجابية التي سجلتها السدود المغربية خلال الأيام الأخيرة، يدعو الخبراء إلى الحفاظ على مقاربة حذرة ومستدامة في تدبير الموارد المائية إلى جانب تعزيز ثقافة الاقتصاد في الماء لدى مختلف الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين وذلك لضمان استدامة الموارد المائية في مواجهة التغيرات المناخية والضغوط المتزايدة على الطلب على الماء في المملكة.
