المغرب نيوز

بعد نهائي “الكان”.. “ضجيج السوشل ميديا” يتحول إلى “علاقة شك” بين المغاربة وأفارقةِ جنوب الصحراء

بعد نهائي “الكان”.. “ضجيج السوشل ميديا” يتحول إلى “علاقة شك” بين المغاربة وأفارقةِ جنوب الصحراء


لم يكن اسكندر، الشاب السوداني المقيم في المغرب منذ سنوات، يتوقّع أن تتحول مباراة كرة قدم إلى لحظة فاصلة في علاقته بالفضاء الرقمي. يقول إنّ الساعات التي تلت صافرة نهاية “كأس أمم إفريقيا” كانت كافية لتبدّل شعوره بالأمان. ويروي لـ”الصحيفة” بالقول: “فتحت هاتفي فوجدت تعليقات لا علاقة لها بالمباراة بقدر ما لها بلوني وهويتي”، مردفا: “اتهموني بأنني خطر، ووجودي هنا سبّب الفوضى، ناهيك عن شتائم كثيرة انهالت علي”.

اسكندر ليس حالة معزولة، فبعد أحداث الشغب المحدودة التي أعقبت النهائي داخل محيط ملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط، تمدّد الغضب من المدرجات إلى مواقع التواصل الاجتماعي، إذ تحوّل بسرعة إلى موجة الكراهية، استهدفت مهاجرين أفارقة، ومغاربة ذوي بشرة سمراء، وأفرادا لا علاقة لهم من قريب أو بعيد بما جرى. 

المباراة انتهت، وانتهى معها الشغب ميدانيا خلال وقت قصير، عقب تدخل أمني أسفر عن توقيف عدد من المشجعين، وتقديمهم أمام القضاء وفق المساطر القانونية المعمول بها. غير أن ما لم ينتهِ كان النقاش الرقمي المُندفع، الذي سرعان ما خرج من سياقه الرياضي، وتحول إلى مساءلة جماعية لوجود “الآخر”، وبالأخص ما بين المغاربة والسنغاليين، على حد سواء.

على مختلف مواقع التواصل الاجتماعي لم يعد الحديث عن ركلة جزاء أو قرار تحكيمي، بل عن “المهاجر”، و”الإفريقي”، و”الخطر” و”المغربي” و”السنغالي”، في تعميمات واسعة وجاهزة، تجاهلت الوقائع، واختزلت حدثا معزولا في صورة نمطية.

سلمى، وهي شابة مغربية من مدينة أكادير، فوجئت أيضا بسيل من التعليقات على أحد مقاطعها المصورة في منصة “انستغرام”. وتقول عبر حسابها: “كتبوا لي: عودي إلى بلدك، أنتم سبب المشاكل”؛ فيما تحاول تفسير ما جرى فتشير إلى لون بشرتها ولهجتها المحلية، اللذين كانا كافيين، في نظر بعض المعلقين، لنزع صفة الانتماء عنها.

شهادات مُتفرّقة، أكّد فيها المتحدّثين لـ”الصحيفة”: “نرفض نعت الآخر بما ليس فيه، نحن في دولة القانون، وهو الوحيد القادر على اتّخاذ مجراه؛ أمّا ما سوى ذلك، فينبغي أن نحترم بعضنا البعض ونتّصف بالكثير من الإنسانية، لنتعايش في سلام، داخل بلد عُمقه إفريقي”.

في الاتجاه المعاكس، رصدت “الصحيفة” أنّ الشحن الرقمي لم يقتصر على سياق واحد، إذ تسارعت على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة “إكس” (تويتر سابقا)، مقاطع مصوّرة وتغريدات صادرة عن حسابات سنغالية، وأخرى مجهولة، تضمّنت لغة تحريضية ضد المغاربة، ودعوات صريحة أو ضمنية للانتقام والعنف، على خلفية أحداث النهائي. 

هذه المحتويات، التي جرى تداولها على نطاق عابر للحدود، استثمرت الغضب الجماهيري الذي عقب نهائيات “الكان”؛ وحوّلته من رد فعل رياضي إلى خطاب عنيف يستدعي صورا نمطية ويغذّي منطق المواجهة بدل التهدئة.

وعلى الرغم من أنّ هذه الخطابات لا تعبّر عن المجتمع السنغالي برمّته ولا عن المواقف الرسمية لداكار، التي دعت إلى التهدئة ونبذ التضليل، فإن حضورها الكثيف في الفضاء الرقمي كشف عن كيفية تحول الفضاء الرقمي، في لحظات التوتر، إلى ساحة عنف رمزي متبادل، تتغذّى فيها المشاعر السلبية من الخوارزميات أكثر مما تضبطها الحقائق. وهو ما يجعل من خطاب الكراهية ظاهرة عابرة للجغرافيا، لا تُنتجها المجتمعات بقدر ما تعيد المنصات تضخيمها وإعادة تدويرها في دوائر مغلقة من الاستفزاز المتبادل.

رئيس العصبة المغربية لحقوق الإنسان، عادل تشيكيطو، قال إنّ: “جزء مهم مما نشر يمكن اعتباره خطاب كراهية بالمعنى القانوني والحقوقي. نحن لا نتحدث عن انتقاد عادي أو انفعال رياضي عابر، بل عن خطابات عمّمت الاتهام، وشيطنت فئة بعينها على أساس الأصل أو الانتماء الإفريقي، واستعملت لغة مهينة وأحيانا محرضة على الإقصاء والعنف، وشجّعت على ارتكاب ممارسات عنصرية”.

تشيكيطو، أوضح في حديثه لـ”الصحيفة” أنّ: “حرية التعبير مكفولة، وتشمل حتى التعبير الغاضب أحيانا، لكن لها حدود واضحة، حددها الفصل 25 من الدستور والمادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، إذ لا يمكن أبدا وتحت أي مبرر كيفما كانت دوافعه أن نعتبر خطاب الكراهية والعنصرية حرية تعبير”.

الأخبار الزائفة ساهمت هي الأخرى في تسريع هذا التحوّل. انتشرت، عقب النهائي، مزاعم عن سقوط قتلى أو عن “اعتداءات منظمة”، قبل أن تنفيها المديرية العامة للأمن الوطني بشكل رسمي. غير أن النفي جاء بعد أن كانت الشائعات قد انتشرت على نطاق واسع.

وفي خضم هذا التوتر الرقمي، صدرت أيضا مواقف رسمية. أكد الملك محمد السادس أنّ: ما رافق المباراة “لن ينال من التقارب الذي نسجته الشعوب الإفريقية عبر القرون”، مشددا على أن المغاربة “لن ينساقوا وراء الضغينة والتفرقة”.

بدوره، دعا رئيس الوزراء السنغالي عثمان سونكو إلى المصالحة والتهدئة. كما حذر من المعلومات المضللة التي انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي، نافيا وقوع أي وفيات بين رجال الأمن كما روّجت له بعض الشائعات. وتُوّج هذا المسار بعقد الدورة الخامسة عشرة للجنة العليا المشتركة، في رسالة واضحة بأن العلاقات الاستراتيجية بين البلدين أكبر من مباراة كرة قدم.

وبينما يرى المختصون في التحقق الرقمي، أنّ: “الشائعة، في لحظات التوتر، لا تحتاج إلى أدلة قوية كي تُصدَّق، بل إلى سياق عاطفي مناسب. وتلعب الخوارزميات دورا محوريا في تضخيم المحتوى الصادم، حتى وإن كان غير دقيق”. يقول الباحث في قضايا الهجرة، خالد مونة، إنّ: “ما وقع في كأس إفريقيا للأمم يندرج ضمن منطق كرة القدم. نفرح عند الفوز ونغضب عند الخسارة، وهذا أمر طبيعي”.

مونة، في حديثه لـ”الصحيفة” أوضح: “الإشكال في بعض السياقات الإفريقية، أنّ العاطفة لا تتوقف بانتهاء المباراة، بل تمتد لتتحول لآلية بناء ردود الفعل، للبحث عن شماعة لتعليق أسباب الإخفاق عليها، وغالبا ما يكون “الآخر” هو المتهم الجاهز”، مشيرا: “ما جرى في المغرب وقع في السنغال، أيضا، إذ كانت الجماهير مغربية عرضة لمواقف مشابهة”.

وفي السياق نفسه، رصدت “الصحيفة” على مدار الأيام القليلة الماضية، من قلب حي يعقوب المنصور بالعاصمة الرباط، الذي يقطن به عدد كبير من ذوي الجنسيات الإفريقية، المختلفة، أنّه: لم تُسجَّل حوادث عنف ضد المهاجرين بعد النهائي، مع انتشار مقاطع التحريض على العنف عبر الفضاء الرقمي. كما أوضح الباحث في علم النفس، محمد حبيب، أنّ: “الفضاء الرقمي غالبا ما يضخم الإحساس بالخطر، ويخلق ما يسميه هلعا اجتماعيا مصطنعا”.

وجوابا على سؤال: كيف يمكن تفسير التناقض بين هدوء الواقع الميداني وضجيج السوشيال ميديا؟ أكّد حبيب: “الواقع الاجتماعي يُدار غالبا بقواعد التعايش اليومي، الضبط الاجتماعي غير الرسمي، والخبرة المباشرة، بينما تشتغل السوشيال ميديا بمنطق التمثيل والتهويل والانتقاء”.

وأكّد الباحث في علم النفس في حديثه لـ”الصحيفة”، أنّ: “المنصات الرقمية لا تعكس الواقع كما هو، بل تعيد إنتاجه عبر لقطات مجتزأة، سرديات انفعالية، وخوارزميات تكافئ المحتوى الصادم”، مضيفا: “لذلك قد يبدو المجتمع متماسكا ميدانيا، بينما يظهر رقميا وكأنه يعيش أزمة حادة، وهو ما يسميه بعض الباحثين بـ”الانفصال بين الواقع المعاش والواقع المُتصوَّر رقميا”.

في الوقت الذي تمّ فيه التعامل مع الشغب الميداني عبر القضاء، ظل التحريض الرقمي دون مساءلة واضحة. ويعزو مختصون ذلك إلى صعوبة التتبع، وضعف الأطر القانونية الزجرية الخاصة بالفضاء الرقمي، ناهيك عن غياب سياسات محلية فعالة لدى مواقع التواصل الاجتماعي. ما دفع رئيس العصبة المغربية لحقوق الإنسان، للقول: “العنف لا يبدأ بالضربة، بل بالكلمة؛ وحين لا تُواجَه الكلمة، تصبح جزءا من الواقع”.

وشدّد تشيكيطو، في حديثه لـ”الصحيفة” أنّ: “جل الفاعلين في المجتمع المغربي يتفقون على أن الخطر كبير جدا، والتغاضي قد يبعث رسالة مفادها أن الكراهية مسموح بها، ما سيرفع منسوب التوتر داخل المجتمع وكذا تعريض فئات ضعيفة للخطر”، مستطردا: “هذا الإيمان والاعتقاد والاتفاق الجماعي من طرف النخبة والفاعلين المدنيين والمؤسساتيين، يجب أن يترجم إلى فعل ومبادرات وإجراءات توعوية وتربويّة وزجرية كذلك”.

من جهته، الباحث في علم النفس، محمد حبيب، أكّد: “هناك أزمة ثقة في المؤسسات، في الإعلام التقليدي، وفي السرديات الرسمية، ما يدفع الأفراد إلى تصديق روايات بديلة وغير محقّقة. وفي الوقت نفسه، هناك أزمة وعي رقمي تتجلى في ضعف التفكير النقدي، صعوبة التحقق من المصادر، والخلط بين الرأي والمعلومة. هذا التداخل يجعل المتلقي فاعلا في نشر الخطاب دون إدراك تبعاته النفسية والاجتماعية”.

أيضا، الباحث في قضايا الهجرة، خالد مونة، قال: “في الواقع اليومي، نلاحظ أن المغاربة والأفارقة يتعايشون بشكل طبيعي، سواء في فضاءات العمل أو الدراسة أو الأحياء الشعبية، وفق علاقات تحكمها شروط العيش المشترك والأخلاق الاجتماعية. لذلك، يجب قراءة خطاب الكراهية باعتباره نتاج سياقات اجتماعية وسياسية معينة، لا باعتباره انعكاسا مباشرا لسياسة رسمية للدولة”.

ويحذّر مونة، خلال حديثه لـ”الصحيفة” من أنّ: “تطبيع هذا الخطاب قد يؤدي، على المدى المتوسط، إلى تحولات اجتماعية وسياسية أعمق، تمس صورة المغرب الإقليمية وتماسكه الداخلي”.

في خلفية هذا السجال الرقمي، اطّلعت “الصحيفة” على معطيات رسمية تؤكد أنّ المغرب لم يعد مجرد محطّة عبور مؤقّت، بل بات بلد استقبال واستقرار، خصوصا للقادمين من إفريقيا جنوب الصحراء. وفق المندوبية السامية للتخطيط، اعتمادا على معطيات الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، فإنّ عدد الأجانب المقيمين بالمغرب بلغ 148 ألفا و152 شخصا، أي ما يعادل 0,4 في المائة من مجموع السكان، مسجلا ارتفاعا لافتا بنسبة تفوق 76 في المائة مقارنة بإحصاء سنة 2014. 

هذا التحول العددي يعكس، وفق المندوبية، ما بات يوصف بـ”هجرة جديدة” ارتبطت بعوامل اقتصادية وجيوسياسية إقليمية، وبالسياسات العمومية التي انتهجها المغرب منذ إطلاق الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء سنة 2013. وتُظهر هذه المعطيات أن مواطني إفريقيا جنوب الصحراء هم: الفئة الأبرز من الأجانب المقيمين بالمملكة، بنسبة تقارب 60 في المائة، بعدما لم تتجاوز نسبتهم 27 في المائة قبل عقد من الزمن. 

وتتصدّر السنغال، إلى جانب كوت ديفوار، قائمة الجنسيات الأكثر تواجدا واستقرار في المغرب، حيث تمثلان أكثر من ثلث الأجانب المقيمين بالمغرب، إضافة إلى جنسيات إفريقية أخرى مثل غينيا ومالي والكونغو والكاميرون. ما يبرز الحضور السنغالي داخل النسيج المغربي، خاصة في مدن الدار البيضاء وسطات والرباط، سلا، ثم القنيطرة، حيث يتركز معظم المقيمين الأجانب بفعل فرص الشغل والدراسة والخدمات، بحسب المندوبية السامية للتخطيط.

إلى ذلك، وفقا لعدد من الشهادات التي تحصّلت عليها “الصحيفة” من بعض المقيمين في المغرب، من جنسيات إفريقية مختلفة، فإنّ: “المغرب هو بلد العيش والاستقرار”؛ كما تشير معطيات المندوبية إلى أنّ: “قرابة 69 في المائة من الأسر التي تضم أجانب هي أسر مختلطة تجمع بين مغاربة وأجانب، ما يعكس مسارا آخرا من الاندماج الاجتماعي والأسري”. وأغلب الأجانب المقيمين يوجدون في سن النشاط، ويشاركون في سوق الشغل أو يتابعون دراستهم، فيما يتوفر نحو 39 في المائة منهم على تعليم عالٍ. 

ووفق الشهادات نفسها، فإنّ: “خطاب الكراهية، الذي يختزل وجود هذه الفئات في صور نمطية تهديدية، بعيد عن الواقع الديمغرافي والاجتماعي المعاش، ومتناقضا مع مسار طويل من التعايش اليومي الذي تعيش على إيقاعه الأحياء الشعبية والفضاءات المشتركة”.

وفي سياق متصل، وعقب تحوّل المباراة إلى ساحة للتحريض الرقمي، هيئات حقوقية وإعلامية دخلت على الخط، محذّرة من تصاعد خطاب الكراهية والعنصرية ضد المهاجرين والأفارقة المقيمين بالمغرب، وكذا المغاربة المتواجدين في دول إفريقية مثل السنغال. وأكدت الشبكة المغربية لصحافيي الهجرة والمنظمة المغربية لحقوق الإنسان أن هذه المحتويات تشكّل انتهاكا للدستور والالتزامات الدولية للمغرب، وتهديدا مباشرا للكرامة الإنسانية والسلم الاجتماعي، مطالبة بتفعيل القانون ومحاسبة المحرّضين، إلى جانب إصلاح الإطار القانوني للهجرة. 

شهادات محمد وفاطمة وغيرهم من الشباب، تكشف أنّ الضرر الأكبر لم يكن في أحداث الشغب نفسها، بل في الأثر النفسي والاجتماعي الذي خلّفه الخطاب المصاحب لها. ما جعلهم يؤكّدون على أنّ: “الرياضة يجب أن تبقى مجالا للتنافس والفرح، لا بوابة للكراهية والعنصرية”.

انتهى نهائي “الكان” في تسعين دقيقة، لكن الأسئلة التي أثارها ما زالت مفتوحة: كيف يُدار الغضب الجماعي؟ ومن يحاسب على الكلمة حين تتحول إلى أذى؟ وأي مجتمع يتشكّل حين يُختزل الاختلاف في تهديد؟؛ وكأنّ المعركة لم تكن رياضية فقط، بل اختبارا لقدرة المجتمع بأكمله على التمييز بين المنافسة المشروعة، والانزلاق إلى خطاب يقوّض أسس العيش المشترك.





Source link

Exit mobile version