اعتبر الخبير الاقتصادي ورئيس المركز المستقل للدراسات الاستشرافية، إدريس الفينة، أن البلاغ الصادر عن الديوان الملكي عقب اختتام كأس إفريقيا للأمم 2025 لم يكن مجرد رسالة شكر بعد حدث رياضي ناجح، بل جاء كنص سياسي يحمل رسائل متعددة الأبعاد.
وأوضح الفينة أن البلاغ حرص على توسيع معنى النجاح، إذ لم ينسبه فقط إلى لجان التنظيم أو المؤسسات، بل إلى «كافة مكونات الأمة». ويضيف أن هذا الاختيار يؤسس لفكرة محورية مفادها أن ما تحقق في هذه الدورة لم يكن إنجازًا تقنيًا معزولًا، بل ثمرة تعبئة جماعية شملت المواطن، والمدينة، والبنية التحتية، والصورة العامة للدولة.
وأشار الفينة إلى أن هناك ربطًا واضحًا بين الأداء الرياضي والسياسات العمومية، خاصة حين اعتبر بلوغ المنتخب الوطني المرتبة الثامنة عالميًا نتيجة «سياسة إرادية عالية الطموح» في مجال الرياضة والبنيات التحتية. وأضاف أن كرة القدم هنا تُستعاد كنتاج للتخطيط والاستثمار طويل الأمد، لا كمحطة عابرة، ما يرسل رسالة مفادها أن النتائج الكبرى لا تُصنع في الملاعب فقط، بل في القرار العمومي والرؤية الاستراتيجية.
وأكد البلاغ كذلك، بحسب مقال رأي لرئيس المركز المستقل للدراسات الاستشرافية، على الدور المميز لمغاربة العالم، ليس فقط بوصفهم لاعبين موهوبين، بل باعتبارهم تعبيرًا عن نموذج وطني جامع قادر على تحويل الانتماء المتعدد إلى قوة رمزية ورياضية، وهو ما يعكس تصورًا سياديًا للهوية المغربية القادرة على استيعاب الامتداد العالمي دون فقدان العمق الوطني.
وعند تقييم البطولة، أكد الفينة أن النجاح التنظيمي الباهر يمثل جزءًا فقط من الصورة الكاملة، حيث قدم البلاغ «كان 2025» كاختبار تنموي شامل مكن من قياس الطفرة النوعية التي حققتها المملكة وتسويق نموذج مغربي يضع المواطن في صلب الطموحات، ليصبح الحدث الرياضي مرآة للدولة وخياراتها التنموية الأوسع.
كما جاء البلاغ بلغة تهدئة واضحة بشأن الأحداث المؤسفة التي عرفتها نهاية المباراة النهائية، معترفًا بالوقائع دون تضخيمها، وداعيًا إلى تجاوز الانفعال لصالح روابط الأخوة الإفريقية، مؤكدًا أن الرهان كان على منع حادث رياضي من التحول إلى شرخ دائم بين الشعوب.
وفي مواجهة محاولات التشهير، يشير إدريس الفينة أن البلاغ اختار خطاب الثقة بدل الدفاع، مؤكّدًا وعي الشعب المغربي وقدرته على التمييز، ومجدّدًا الإيمان بعمق الروابط الإفريقية التي لا تهزها الحملات العابرة.
واختتم الفينة تحليله بالقول إن البلاغ لم يوثق فقط لنجاح البطولة، بل قدّم درسًا في كيفية تحويل حدث رياضي إلى لحظة سيادية، وفي كيف تنتصر الدولة بهدوء وتقود دون استعراض، وهو ما يتسق مع رؤية الملك محمد السادس لدولة واثقة من نفسها، راسخة في محيطها الإفريقي، وتدرك أن القوة الحقيقية تكمن في وضوح الرؤية والنتائج الملموسة على أرض الواقع.
