المغرب نيوز

بين بيداغوجيا الامتثال وبيداغوجيا المعنى؟

بين بيداغوجيا الامتثال وبيداغوجيا المعنى؟


لم تكن استضافتي للسيد يوسف سعداني في حوار مباشر مجرد سجال عابر حول تقنيات التدريس، بل كان تجسيداً لصدام كوني بين رؤيتين للمدرسة: رؤية “تكنوقراطية” ترى في التعليم هندسة اجتماعية محكومة بمخرجات كمية، ورؤية “إنسية” ترى فيه فعلاً تحررياً لا يقبل الاختزال.

لقد قدم سعداني بصفته ضيفا على ندوة رقمية حول إصلاح المدرسة المغربية مرافعة اتسمت بالوثوقية التقنية، متسلحاً بلغة إحصائية، ومستنداً إلى ترسانة علمية تبدأ بفيزياء الدماغ ولا تنتهي عند مختبرات قياس الأثر. لقد أعلن صراحة بأن التعليم الصريح هو بمثابة الحتمية العلمية التي لا مفر منها للرفع من جودة التعلمات في منظومتنا التربوية. لكن خلف هذا الخطاب الواثق، يبرز سؤال مقلق: هل تحول الواقعية الميدانية دون السقوط في فخ مكننة العقول؟ وهل يمكننا استيراد قالب بيداغوجي وتغليفه بالسيادة الوطنية دون أن نفقد روح الفعل التربوي؟

العلموية التربوية.. عندما يسطو المختبر على الفصل الدراسي

يرتكز خطاب سعداني على ركيزة صلبة في ظاهرها ولا يمكن لأحد أن يعارضها تتمثل في الانضباط لما يقوله العلم. باستشهاده بـجون سويلر وستانيسلاس ديهاين، يحاول إضفاء صفة القداسة على التعليم الصريح. إلا أن هذا الاستشهاد يقع في مطب العلموية؛ وهي النزعة التي تخلط بين العلم الواصف الذي يقارب ظاهرة معينة بأدوات العلم ويضع لها قواعد ومبادئ، والسياسة الإجرائية التي تستنجد بالعلم لسن تدابير توظفه بما يحقق الأهداف التي يتفق عليها المجتمع.

إن ديهاين عالم أعصاب مرموق يصف كيف يعالج الدماغ السيالة العصبية عند القراءة، وهو وصف بيولوجي محايد. لكن تحويل هذا الوصف إلى بروتوكول تدريس إلزامي هو قفزة أيديولوجية بامتياز. فالعلم يخبرنا أن الطاقة الذرية لها آثار قد تكون إيجابية أو سلبية على الإنسان وعلى الطبيعة، لكنه لا يملك الحق الأخلاقي في إملاء كيفية استخدامها. إن التذرع ببيولوجيا الدماغ لتبرير نمطية التعليم الصريح يشبه الاستشهاد بقوانين الفيزياء لتبرير سجن العصافير؛ فالفيزياء تشرح ميكانيكا الطيران، لكنها لا تبرر أبداً وضع الكائن في قفص مذهب بدعوى حمايته من رياح الجهد المفرط.

 فخ “الحمل المعرفي” واغتيال الجهد المبدع

تعتبر نظرية “الحمل المعرفي” (Cognitive Load Theory) لـ “سويلر” حجر الزاوية في مرافعة يوسف سعداني. والمنطق الذي يحكمها بسيط: الذاكرة العاملة محدودة، لذا يجب تجزيء المعرفة وتبسيطها وتفادي تشتيت تركيز التلميذ.

بيد أن هذا التبسيط المفرط يقع في فخ إنتاج معرفة بلا عمود فقري. فبينما يركز التعليم الصريح على تقليل “الحمل الخارجي”  الذي ينتج التشتت الذهني، فإنه يضحي بـ “الحمل الجوهري” (Germane Load)؛ وهو الجهد الذهني الضروري الذي يبذله المتعلم لبناء “المخططات الذهنية” (Schemas) العميقة. إن حماية التلميذ من قلق البحث والاستكشاف عبر تقديم النمذجة الجاهزة من طرف المدرس تجعل منه مستهلكاً تقنياً بارعاً في اتباع الدليل، لكنه عاجز عن مواجهة الوضعيات المركبة وعلى لعب دوره كفاعل حقيقي في العملية التعليمية التعلمية.

هنا تبرز مفارقة “أثر عكس الخبرة” (Expertise Reversal Effect) التي نادى بها سويلر نفسه؛ فالتوجيه الصارم الذي يفيد المبتدئين يتحول إلى عائق بمجرد أن يكتسب التلميذ حداً أدنى من الخبرة. إن الإبقاء على التعليم الصريح كنمط بيداغوجي صارم هو حكم مع وقف التنفيذ على التلميذ بالعجز المكتسب، ومنعه من تطوير استراتيجيات ذهنية مستقلة تتجاوز القالب الذي يفرضه الأستاذ.

 الذاكرة الدلالية.. هل تُبنى المفاهيم بالبروتوكولات؟

يزعم مروجو التعليم الصريح، أن هذه المقاربة لا تقف عند حدود المهارات الإجرائية الآلية، بل هي جسر نحو الذاكرة الدلالية (Semantic Memory) والكفايات العليا. وحجتهم في ذلك أن “أتمتة” الأساسيات تحرر مساحة في الذاكرة العاملة للتركيز على المفاهيم المركبة.

لكن التدقيق في هذا الزعم يكشف عن مغالطة معرفية كبرى. فالذاكرة الدلالية ليست مخزناً للمعلومات المتراكمة عبر التكرار والنمذجة، بل هي شبكة من المعاني تُبنى عبر الربط الذاتي بين الأفكار والخطاطات وعبر استثمار السياق. لكن في التعليم الصريح، يتم استبدال بناء المعنى بنقل المعنى. حين يقدم الأستاذ المفهوم جاهزاً في مرحلة النمذجة، فإنه يسلب التلميذ فرصة القيام بالعمليات الذهنية العليا كالتصنيف، والمقارنة، والاستنتاج الذاتي.

إن ما ينمو هنا ليس الذاكرة الدلالية بل ذاكرة إجرائية موسعة؛ لأن التلميذ يتعلم كيف يعيد إنتاج شرح الأستاذ للمفهوم، لا كيف يتمثل المفهوم في وجدانه وعقله. إن الكفاية العليا ليست فقط خوارزمية مركبة يمكن تعلمها بالخطوات الصريحة، بل هي قدرة على مواجهة الوضعيات غير المتوقعة، وهو ما يفشل فيه التعليم الصريح تماماً لأنه يعود التلميذ على المواقف النمطية المعدة سلفا.

التايلورية البيداغوجية.. من المصنع إلى الفصل

لا يمكن قراءة إصرار التعليم الصريح على الأدوات العملية والبروتوكولات الدقيقة بمعزل عن أفكار التايلورية في الإدارة العلمية للمصانع. إننا بصدد التمكين لتايلورية بيداغوجية تعيد إنتاج تقسيم العمل الصناعي داخل المدرسة بحيث توزع المهام بين مكاتب مركزية تفكر وتصمم الكراسات، ومدرس ينفذ السكريبتات، وتلميذ يستهلك ما يقدم له. وهي الوصفة التي يقدمها يوسف سعداني للتغلب على الآفات الثلاثة التي اعتبرها معيقة للإصلاح أي التنسيق الأفقي، والتنزيل العمودي، والعائق الزمني، مصوراً إياها كجدران منعت الإصلاح من دخول القسم. لكن الحل الذي يقترحه، والمتمثل في تقديم رزمة تقنية جاهزة يتم فرضها على المدرسة رأسا من المركز يطرح إشكالاً أعمق يتجلى في التدبير المباشر للفعل البيداغوجي دون حاجة إلى الهياكل التقليدية للمنظومة، الشيء الذي يبرر التخلي عن القانون الإطار.

إن التفتيت للمعرفة إلى جزئيات مجهرية قابلة للقياس السريع يقتل شمولية المعنى. فمكننة المدرس هي الوجه الآخر لهذا الإصلاح؛ حيث يتم تجريد الأستاذ من سيادته البيداغوجية ومن دوره كممارس تبصري ليصبح عون تنفيذ مطالب بضبط أداة الاشتغال والالتزام بسيناريو الدليل. إن موت اللحظة البيداغوجية – تلك الشرارة غير المتوقعة التي تنشأ بين المدرس والتلميذ – هو الثمن الفادح الذي ندفعه مقابل النمطية والنجاعة الميدانية المزعومة.

 فيليب ميريو وصيحة حق المقاومة

في هذا المقام، يحضرنا صوت فيليب ميريو ليذكرنا بأن التربية هي لقاء إنساني بين إرادات وليست هندسة عصبية لأفعال تبرمج بشكل مسبق. فالتعلم عند ميريو ليس تحويلاً للبيانات بل هو قرار يتخذه المتعلم في لحظة حرية.

يرى ميريو أن دور المدرس ليس جعل التلميذ يتعلم بمنطق القسر التقني، بل خلق الظروف التي تسمح للتلميذ بأن يقرر التعلم بنفسه. إن التعليم الصريح، بنمطيته المكبلة، يسلب التلميذ متعة الاكتشاف ويصادر حقه في الخطأ المبدع.بل إن ديهاين نفسه يؤكد أن الدماغ يتعلم عبر نافذة التوقعات التي تفتحها جدلية ارتكاب الخطأ وتصحيحه، بينما النمذجة تسد هذه الفجوة أصلا، مما يحرم الدماغ من أهم ميكانيزمات التعلم الطبيعية.

ويضيف ميريو نقداً لاذعاً لهذا المنطق التبسيطي؛ فالكفاية الحقيقية ليست هي النجاح في تمرين مسطر، بل هي القدرة على فهم العالم المركب والاستعداد لمستقبل اللايقين. ويبقى السؤال المطروح هو:هل يمنح التعليم الصريح للتلميذ القدرة على نقد خطاب، أو تحليل ظاهرة اجتماعية معقدة، أم يمنحه فقط تقنيات للتعامل مع نصوص معلبة؟

 مطلب المغربة وإبداع القالب

دافع يوسف سعداني بحماس عن مغربية الدروس التي يتم إنتاجها في سياق تفعيل التعليم الصريح، مؤكداً أن الأجانب لم يضعوا يداً على كراسة واحدة. وأنا أشكره أنه صحح معلوماتي بهذا الخصوص لأنني كنت أعتقد أن الخبيرين الكنديين في التعليم الصريح بيسونيت وغوتيي هما من أطرا هذا المشروع في بلادنا، لكن حسب ضيفي الكريم فإن الإصلاح المغربي يستقي مباشرة من مُنتجي العلم الأصليين ويقصد بذلك “جون سويلر” وستانيسلاس ديهاين.حيث أكد أن الخبراء المغاربة من مفتشين وأساتذة هم من قاموا بالابتكار البيداغوجي وتكييف المبادئ العلمية مع الواقع المغربي، مما يعني أن الأمر لم يقتصر على استيراد نموذج جاهز وهو ما أعتبره إنجازا مهما ينبغي الاعتزاز به. لكن، هل يكفي كل ذلك على أهميته لجعل النموذج أصيلاً، أم لا بد من إرفاقه ببحث تربوي متطور يجعل المغرب أيضا منتجا لنظريات بيداغوجية جديدة؟

ذلك أن المنطق الداخلي لهذه المقاربة أي التدريس الصريح يظل مستورداً في جوهره مما يجعلنا  أمام مغربة للممارسة وليس أصالة في النموذج، وهي على كل حال  مرحلة مهمة على طريق السيادة البيداغوجية إن هي بلغت مداها عبر تعزيز البحث البيداغوجي في الجامعة المغربية.

قياس الأثر.. عندما توظف الأرقام

تحدث سعداني عن 0.9 انحراف معياري كدليل دامغ. لكن في اقتصاديات التعليم، الأرقام لا تقول كل شيء. إن التركيز على ما يمكن قياسه يؤدي بالضرورة إلى إهمال ما لا يمكن قياسه وفي مقدمة ذلك الخيال والنقد والتعاطف والقدرة على السؤال. فضلا عن ذلك فعندما يكون الانحراف المعياري ضعيفا، كما هو الحال في المدارس التي تعاني من أزمة في جودة التعلمات، فإن التقدم حتى بما يساوي قيمة انحراف معياري واحد لا يمنح تقدما كبيرا على مستوى المتوسط الحسابي لكل مدرسة، لكن يبقى تقدما ينبغي الاعتراف به.

إن الدراسات التي استشهد بها (J-PAL) تهتم بالنجاعة التقنية في محاربة الفقر التعليمي، وهي رؤية “إسعافية” للمدرسة. لكن المدرسة ليست مستشفى للطوارئ فقط، بل هي فضاء لبناء الكينونة. إن الاختباء خلف الأرقام هو محاولة لتعطيل النقاش السياسي والبيداغوجي حول أي إنسان نريد؟ لصالح سؤال تقني بارد: كم ربحنا من نقطة في الحساب؟. هذا لا يعني التخلي عن بناء التعلمات الأساس بل يعني فقط أنها غير كافية لبناء إنسان قادر على رفع التحديات في مستقبل لا مكان فيه إلا لمن يستطيع أن يبدع، أما النسج على منوال الموجود فإن الآلة ستكون أقدر من الإنسان على فعله باقتدار لا يضاهى.

الكفايات العليا أم “الامتثال” المتطور؟

يدعي المدافعون عن التعليم الصريح أنهم ينمون الكفايات العليا عبر الممارسة المستقلة. لكن النظرة الفاحصة لفيليب ميريو تخبرنا أن هذه الاستقلالية هي استقلالية مُوجهة؛ لأن التلميذ مستقل في تطبيق ما لُقن له، وليس مستقلاً في اختيار طريقه للحل.

إن الكفاية العليا تقتضي التفكير التباعدي، بينما التعليم الصريح هو تفكير تقاربي بامتياز؛ الكل يجب أن يصل لنفس النتيجة عبر نفس الخطوات النموذجي. وهذا النموذج لا ينتج مبدعين بل ينتج ممتثلين متفوقين. ليصبح الذكاء في هذا النموذج هو القدرة على فك الشفرة بسرعة، وليس القدرة على إنتاج المعنى.

نحو بيداغوجيا التمكن والمعنى

إن مرافعة يوسف السعداني، رغم بريقها التقني، تظل حبيسة رؤية ميكانيكية للإنسان والتعلم. مما يعني أن التعليم الصريح  قد يصلح كدواء لمعالجة أدواء الماضي، لكنه أبداً لا يمكن أن يكون أفقاً لمدرسة المستقبل.إننا بحاجة إلى مدرسة توازن بين “التقنية” و”المعنى”، مدرسة لا تعتبر التلميذ “حمالاً معرفياً” يحتاج لتخفيف الأحمال، بل “ذاتاً حرة” تحتاج لاستفزاز رغبتها في رفع التحديات.

لذلك فإن الدفاع عن المدرسة العمومية يبدأ برفض تحويلها إلى مختبر “للهندسة العصبية” أو مصنع لـ “التايلورية التربوية”. لأن التربية، في جوهرها، تظل رحلة نحو اكتشاف المجهول، لا تدرجاً صارماً وفق صيرورة جامدة تكبل الطاقات.



Source link

Exit mobile version